بتاريخ 28 آب 1958 تطلب طائرة تابعة لخطوط
شركة العال الجوية الإسرائيلية الهبوط الاضطراري في مطار اسطنبول. تُعلن حالة
الطوارئ، وتُهرع سيارات الإسعاف إلى المطار. تهبط الطائرة. ادعي أن هناك راكباً
مريضاً مضطرٌ للمغادرة إلى المشفى. من كان ذلك الراكب؟ إنه رئيس الوزراء
الإسرائيلي يومئذ ديفيد بنغوريون. وركب سيارة الإسعاف بعيداً عن أعين الصحفيين على
الرغم أنه بصحة جيدة جداً، وطلب يومئذ اللقاء مع عدنان مندرس رئيس الحكومة التركية
المحافظ، واتهم بأنه إسلامياً في تلك الفترة، وأُعدم.
لا أحد يعرف ما جرى في الاجتماع، ولكن ليس المهم
ما جرى، لقد كان هذا التاريخ بداية العلاقة بين الموساد والمخابرات التركية (ميت)،
واستمر سنين طويلة حتى مطلع الألفية الحالية، وبدء تضارب المصالح بين تركيا
وإسرائيل.
منذ ذلك التاريخ حتى الآن والعلاقات التركية
الإسرائيلية تتأرجح، ولكنها لم تصل في أي وقت إلى درجة التهديد الإسرائيلي،
والتدخل في الشؤون الداخلية التركية. نعم إنها المرة الأولى، وهي المرة الأولى
التي يصرح فيها قائد الاستخبارات التركية هاقان فدان بأن دولة أجنبية (إسرائيل)
تطلب من دولة أخرى (تركيا) بأن تعزل موظفاً حكومياً (قائد الاستخبارات التركية)!. لم
يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تمادت إسرائيل حتى بلغت حد التهديد بالقتل من خلال
الاتهامات الموجهة لهذا الرجل وإلى الحكومة التركية عبره. بل لقد بدأت الصحف
الأمريكية (وول ستريت، وواشنطن بوست) والصهيونية بتوجيه اتهامات لرئيس (يسمى
بالتركية مستشار) الاستخبارات التركية، وأهمها تلك التي كتبها ديفيد إغناتيوس. من
هو ديفيد هذا؟ السوريون في حلب يتذكرون حين أخرجهم النظام ممسكين لوحات كتب عليها
“أردوغان بطل دافوس” مذكّرين بالحادثة الشهيرة عندما قال أردوغان في الملتقى الاقتصادي الدولي لشمعون بيريز “One minute” وانسحب من
الجلسة. نعم، هذا الكاتب المدعو ديفيد هو مدير تلك الجلسة.
ازداد التوتر التركي الإسرائيلي عقب تسلم
السيسي زمام الإدارة في مصر، واعتبار الحكومة التركية ما جرى “انقلاباً
عسكرياً مدبراً من قبل إسرائيل”. حينئذ قالت التسريبات الصحفية بأن الرئيس
الأمريكي أنّب رئيس الحكومة التركية على هذا التصريح، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل
على التوتر الجديد بين تركيا وإسرائيل. فما سبب هذا التوتر؟
ثمة تسريبات صحفية تركية تربط الأمر بالموقف
من القضية السورية، ومنها ما كتبه ممتاز إر تورك أوغلو في صحيفة الزمان بتاريخ 20
تشرين الأول لعام 2013. فإسرائيل تريد استمرار الأزمة السورية بقدر المستطاع على
عكس الحكومة التركية التي تريدها أن تنتهي بأقرب فرصة ممكنة! والسبب بسيط هو أن
إسرائيل تعيش على تناقضات الدول المجاورة لها.
لقد حققت إسرائيل مكاسب كبرى مما يجري في
سوريا، وليس آخر تلك المكاسب تسليم السلطة السورية سلاحها الكيماوي والتوقيع على
معاهدة حظر انتشاره، فهناك الكثير من الأوراق على الطريق… طبعاً ليست كلها لدى
النظام السوري، فهي أكثر من يدرك بأن هذا النظام لا يمتلك الكثير. ولكن تلك
التنازلات ستقدمها إيران في سبيل الحفاظ على ما يُسمى (ثورة إسلامية) بقيت تخطط
لها الدولة العميقة الإيرانية أكثر من أربعين سنة، وأسست نواة المجموعات المسلحة
العراقية التي تقاتل إلى جانب الجيش السوري النظامي. هل تضحي إيران بمليارات
الدولارات وجهد عقود طويلة؟
لقد اعتذرت إسرائيل من تركيا في قضية سفينة
مرمرة التي حاولت كسر الحصار على غزة، وقبلت بدفع التعويضات، وعلى الرغم من هذا لم
تُطبّع العلاقات، على العكس ازدادت حدة التوتر أكثر. وباتت إسرائيل أكثر ما يضغط
على تركيا في الميدان السياسي العالمي، فما السبب؟
هناك من يربط القضية بالأيديولوجية
(الإسلامية) التي تحكم تركيا اليوم، ولكن إسرائيل تعرف أنها تستطيع أن تتعامل مع
الإسلاميين، وقد بدأت علاقاتها المخابراتية بتركيا في عهد مندرس رئيس الحكومة الذي
يعتبره الإسلاميين رائدهم السياسي وملهمهم عام 1958، وكان السبب الأساسي للتقارب
هو سوريا أيضاً، لأن ذلك التاريخ كما هو معروف تاريخ إعلان الوحدة بين سوريا ومصر،
ألا يدل هذا على اعتبار الأسد (بقاءه أو رحيله) نقطة الخلاف الأساسية بين تركيا
وإسرائيل حالياً؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث