ناجي
طيارة
منذ
عشرة أعوام على ما أظن أو تفيض بقليل ..
كنت
أتمشى في شارع الغوطة القديم في حمص .. متراقصا حول شجرات الكادرينيا … وعيناي تلاحقان
أسماء العشاق على أجساد الشجرات الخضراء الجميلة ..
بعضها
حفرت بدقة متناهية وأخرى على عجالة خوفا من
عيني المراقبين المتربصين … كاردينيا حمص
المليئة بالأنوثة الفريدة، ما هو السر بينها وبين حمص يا ترى؟؟ أتساءل وأنا أتمايل
مع عبيرها المنتشر في النسمات
دائمة
الخضرة، مختالة بإغراء أعجز عن مقاومته، متعطشة للحياة وللفرح ..
تمنح
حبها للجميع لكل العشاق الذين مرّوا أو سيمرون من هنا ..
صلبة
رغم انوثتها، واثقة بنفسها، شامخة بطريقة جذابة
رائحتها
عطرة مفعمة بالشغف دوما … وفي أي وقت تراها تتلمع نظافة وإشراقا
إذا
مرّ بها مستعجلٌ مشغول تهتزّ مع الرّيح
… أنا هنا … انظرني .. إلحظني
.. شُمّني .. كم أنا جميلة ..
لم أدرك
في تلك اللحظات الفائقة الجمال .. الملئ بعطر الكاردينيا الغنوجة .. ما كانت تقوله
..
عدت
لمنزلنا الذي لا يبعد سوى مئات الأمتار ..
كان
أبي في انتظاري .. مستنفرا .. نزقاُ .. يبدو
عليه ألم مرهق غريب .. يتقافزه الرعب ..
بسرعة
.. هيّا بنا ..
“شو
في؟؟ شو صاير؟؟ أبي رد علي؟ مين مات ..”
صرخ
بألم .. ” الكادرينا … اسم جدك وستك محفور علين .. لح يقطعوهم الليلة !!
شووووو
… شو عم تقول” .. منذ قليل كنت هناك …
قال
لي بأسى .. أعلم .. لكنهم الليلة سيقطعون الكادرينا .. تقرر تطوير الشارع !!
هرولنا
.. لا نرى شيئا سوى الكاردينيا .. وآلاف من العشاق تمّر سريعا في ذاكرتي .. آلاف الوعود
التي قطعت للحب وللحياة .. آلاف من أسراب عصافير السنونو .. التي أنجبت أجيالها هنا
.. مدن من جذور تحت الأرض!!!
اعتصمنا
.. بضع عشرات .. أطفال ونساء .. رسومات عن أشجار تبكي .. شيب وشباب ..
لكنّ
صوت الجرافات جاء أعلى … وهبطتت كتيبة ” حفظ النظام ” .. وكأنهم من كوكب
المريخ الأجوف ..
ضربة
من عصا الشرطي .. وأخرى من جرافة حمقاء .. واختلط الألم بين الشجيرات وبيننا ..
طارت
عصافير السماء .. وتساقطت أحرف العشاق .. واحدةً تلو أخرى ..
لم أعد
أعرف من أنا …
رحلت
أشجار الكاردينيا ..
يومها
.. كنت أودع حمص .. نعم .. أدركت ذلك .. فهم سيغيرون التاريخ .. سيلعبون بأجنتنا
.. سيدخلون مدن الجذور
سيلوثون
الرائحة ..
وبين
التفاتة ألم وأخرى … سمعت حفيفا مخنوقا بعيدا ..
كانت
ورقة كادرينيا مختبئة .. تراءت لي كعيني حبيبة مغرورقة .. مقصوصة الأطراف ..
كانت
تتغلغل في الأرض .. كالماء الرافض للتبخر ..
غمزت
لي بعروقها الخضراء .. واندست …
كان
عليها أن تنهمك كثيرا في إنجاب الكادرينيا الجديدة !!!!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث