عبد القادر عبد اللي
المعروف
أن أولى مبادرات الحل السياسي للوضع القائم في سوريا، وأفضلها من زاوية النظام بالمطلق
كانت تركية. ومن باب تجديد الذاكرة، فقد طرحت المبادرة خطة على مرحلتين الأولى إجراء
إصلاحات عاجلة تعطي بعض الحرية لممارسة العمل السياسي المعارض، وإجراء الانتخابات المقررة
في موعدها، والثانية برنامج إصلاحات مديد يترك فيه هامش بسيط للمعارضة يجعلها شريكة
شكلية. وتكمن قوة المبادرة التركية في تأثيرها على المعارضة السياسية “وأهمها
الأخوان المسلمين” من خلال واحتضانها لها، إذ عقدت على أرضها غالبية المؤتمرات.
وقد ضمنت هذه المبادرة بقاء الأسد ستة عشر عاماً في السلطة هما السنتان الباقيتان من
ولايته يومئذ إضافة إلى فترتين رئاسيتين.
لا ننسى
أن الأسد وافق على المبادرة، ولكن ثمة نقطة هنا يتم تجاوزها، وهي رفضه للمبادرة بعدئذ،
وإنكار الموافقة عليها، وأسماها “نصائح” ووصف ما اعتبر موافقة بأنه لا يتعدى
المجاملة. ليبدأ النظام بعدئذ بفترة قصيرة وضع تركيا على رأس قائمة الأعداء.
ربط
كثير من المتابعين فشلها بمراوغة النظام معتمدين على أسلوبه المعهود، ولكن ثمة ما يدل
على أن هذه القضية تختلف عن الأخريات. فقد كانت هناك موافقة، ثم تراجع، ليصل الأمر
إلى ما وصل إليه.
في دردشة
لوزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو الخبير الجيد في شؤون المنطقة مع الصحفيين
قبل أشهر قليلة بعد صمت طويل في هذه القضية، قال: “كنا نقنعه –أي الأسد- بأمر
ما، ولكنه ما إن يغادر الغرفة حتى تغير رأيه جهة أخرى.” حين أصرّ الصحفيون الأتراك
على معرفة تلك “الجهة”، قال داوود أوغول: “والدته!” هل كان داوود
أوغلو صادقاً أم أراد أن يتهرب من الجواب؟ كيف عرف أن والدته هي التي كانت تغيّر ما
تم الاتفاق عليه؟ هل كان بينهما؟ صحيح أن هناك جهة غيرت رأيه، ولكن أبسط القواعد السياسة
تقول لابد من وجود قوة تقف وراء تغيير الرأي، فهل تمتلك أنيسة مخلوف أكثر مما يمتلكه
ابنها؟
المعروف
أن السياسيين دائماً يخفون أموراً يضر البوح بها بمصالح دولهم، فهل ما أخفاه داوود
أوغلو يضر بمصالح بلاده؟ وإذا كان ما يخفيه يضر بمصالح بلاده فما هو؟
هناك
تسريبات منطقية، وأثبتت صحتها الأيام تقول بأن إيران هي التي غيّرت رأي الأسد بالحل
التركي. لأن الحل –أي حل- سينهي الحلم الإمبراطوري الذي وضع أسسه الشاه إسماعيل.
لم يؤخذ
الأمر حينئذ مأخذ الجد لأن الدور الإيراني لم يكن ظاهراً في القضية السورية كما هو
الآن. وهناك مصالح كبيرة جداً لتركيا مع إيران وليس من صالح الأتراك فتح الجروح القديمة
الحديثة بين البلدين وإن كانت قد فتحت –وسرعان ما أغلقت- يوم قررت الحكومة التركية
إطلاق اسم السلطان سليم على جسر البوسفور الثالث، وانطلقت ما سمي يومئذ احتجاجات تقسيم
(غزي/ النزهة). يجب ألا ننسى أن السلطان سليم هو الذي هزم الشاه إسماعيل الصفوي، وبدد
ذلك الحلم إلى حين عودته مع ظاهرة الخمينية، وأن الشاه إسماعيل هو الذي وضع الأذان
الذي يعتمده أغلب الشيعة حالياً، وأول من عمم على خطباء الحوزات شتم الخلفاء الثلاثة
وبعض الصحابة.
والآن
مع عودة جنيف 2 إلى واجهة الأحداث، والحديث عن حل سياسي نسمع من المعارضة السورية
–دون استثناء- كلاماً مشتتاً جداً في موضوع الحوار/ التفاوض. مثلاً: “لا حوار
مع الأسد”، “المفاوضات يجب أن يتم مع هيئة ذات صلاحيات!” وبمناسبة الصلاحيات
هناك من يقول: “تشكيل حكومة ذات صلاحيات!”، “يجب أن تكون المفاوضات
على تسليم السلطة!”، “لا نقبل بوجود إيران في الحوار!”…
لنفصّل
أكثر: “من هي الهيئة ذات الصلاحيات؟” إذا تراجع الأسد عن موافقة لم يُمنح
فيها صلاحيات، فمن هو صاحب الصلاحيات؟ يحتد المعارضون كثيراً عند طرح هذا الكلام ويعتبرونه
خيانة عظمى لأنه برأيهم يبرئ الأسد، علماً أن الأداة الآمرة بالتنفيذ ليست بريئة وفق
أي قانون من قوانين العالم إلا قوانين المعارضة السورية بشقيها في الفندقي والخندقي.
المقولة الثانية: “لا نقبل بوجود إيران في الحوار!” كيف تطالبون بهيئة ذات
صلاحيات ولا تقبلون بوجود إيران في المفاوضات؟ وهل هناك من لديه صلاحيات سوى الشخص
أو الهيئة التي يمنحها الإمام الفقيه صاحب الزمان والصلاحيات؟ للتذكير فقط، عندما ذهب
روحاني إلى الولايات المتحدة، قال: “لقد منحني المرشد الصلاحيات…” أي أنه
لم يذهب بصفته موظفاً باسم رئيس جمهورية، بل بصفته مكلفاً بصلاحيات المرشد، ويمكن أن
يمنح المرشد هذه الصلاحيات لأي جلاد مدني أو عسكري برتبة مساعد في أحد أقبية التعذيب.
من المقولات أيضاً: “إيران عدو، لذلك لا نريد التفاوض معها؟” الأمر المضحك،
هل يتم التفاوض بين الأصدقاء؟” وبهذه المناسبة، سؤال لا يبحث عن جواب: “هل
هناك من اتهم الذين حاوروا فرنسا على استقلال سوريا بالخيانة؟”
السوريون
جميعاً يعرفون أن هذا النظام لن يفاوض مهما كلف الأمر، لا لأنه لا يريد هذا فقط، بل
لأنه لا يمتلك صلاحية التفاوض، ولم يمنحها له الولي الفقيه، ولا ندري إن كان سيمنحها
له أم لا، ولكن أين خطاب المعارضة المنطقي؟ حتى الآن يجيد الولي الفقيه استخدام المنطق
في تقديم نفسه وإن رفضنا منطقه ذاك، على عكس المعارضة، ويبدو أن المشكلة ليست بعدم
امتلاك المعارضين خبرة سياسية فقط، بل بعدم معرفتهم حتى الآن الشريك في المفاوضات.
ثمة
حقيقة أخرى في موضوع الحوار يتجنب الجميع الخوض بها، وهي: “النظام يكذب، وكذلك
المعارضة السياسية التي سماها النظام معارضة فنادق، وتلقفها الذين يُطلق عليهم ثوار
الخنادق، وتبنوها أكثر من مبدعها، والأطراف الخارجية دون استثناء.” لأن عدم إمكانية
الحوار في سوريا ليس ناجماً من عدم وجود شروط موضوعية له فحسب، بل من عدم امتلاك النظام
صلاحيات الحوار ولا المعارضة أيضاً. يقول المثل: “من يجرب المجرب عقله مخرب.”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث