تعيش مناطق ريف إدلب المحررة حالة من عدم
التوازن وفقدان شبه تام للأمان، رغم كثرة أعداد من يحمل السلاح تحت مسمى ثائر أو
مجاهد.. ليدفع الضريبة الأكبر أناس مدنيين همهم الأوحد تأمين قوت يوم أطفالهم..
مدينة دركوش تدفع
فاتورة اختراق أمني من دماء أبنائها..
كنتيجة شبه حتمية للاستخفاف والاستهتار بالمسألة
الأمنية من قبل المعارضة المسلحة، دوى انفجار ضخم اهتزت له مدينة دركوش كاملة ناتج
عن سيارة مفخخة ركنت في إحدى زوايا سوق البلدة الساعة التاسعة من صبيحة يوم
الاثنين الواقع في 14/10/2013 مخلفاً العشرات بين قتيل وجريح، جلهم من مدينة دركوش
والقرى المحيطة .. فبحسب مشفى دركوش الميداني ” المصدر الرسمي والرئيسي لإحصاء
أعداد ضحايا التفجير “
عدد القتلى الموثقين بالاسم الثلاثي (ثمانية
وثلاثين قتيل 38)
عدد القتلى مجهولي الهوية (أربعة 4)
عدد المفقودين (سبعة 7)
بالإضافة إلى كيسين من الأشلاء البشرية تم
دفنهم في مقبرة البلدة .. ليصل العدد الإجمالي حتى كتابة هذه السطور إلى أكثر من
خمسين(50) قتيلاً وأكثر من مائة وعشرين (120) جريحاً موزعين على أربع مشافٍ داخل الأراضي
السورية المحررة، وثلاثة داخل الأراضي التركية، حالة قسم منهم حرجة جداً، مما يرجح
زيادة بعدد القتلى ..
تفاصيل الانفجار من
شاهد عيان ..
يقول أبو جميل أحد الناجين من التفجير:
” كنت في طريقي لشراء بعض حاجيات العيد من سوق البلدة عندما دوى انفجار ضخم
على بعد حوالي العشرين متراً عني ..اذكر أني طرت بالهواء لأكثر من مترين وهويت على
سيارة .. لم أدرك وقتها ما الذي حصل فأذناي لم تكونا تسمعان إلا صوت نبض قلبي مع
صوت يشبه صوت حرارة التلفون (توووووووووووون)، ارتفعت كتلة من لهب النيران بما
يزيد عن الأربعين أو الخمسين متراً، وتبعها كم هائل من الغبار) .. ويستطرد في وصفه
لأحداث ذلك اليوم العصيب، قائلاً: (كنت وقتها في حالة ذهول لا اعتقد أني مررت بها
من قبل، عدت إلى وعيي عندما حاول أحدهم سحبي والتكلم معي .. لم أكن اسمع صوته لكني
كنت ادقق في حركة شفاهه لأحاول فهم ما يقول، أظنه كان يسألني عن أي إصابة أشعر بها
.. رفعت يدي ببطء محاولا إخباره أني بخير.. تركني وركض بسرعة باتجاه الساحة، كنت أراقب
حركته وكأني أشاهد فلم سينمائي ليكتمل المشهد بانفجار ثانٍ لبراميل وقود كانت معدة
للبيع .. كانت تتطاير في الهواء كما الألعاب النارية.. عاد السمع إلى أذني، وكأني
في كابوس، أصوات الاستغاثة تصدح في الأجواء.. حاولت النهوض والتوجه إلى الساحة إلا
أن قدماي لم تستطيعا حملي.. تكشف المنظر أمام ناظري بعد انجلاء الغبار.. لن أنسى
ذاك المشهد ما حييت .. نيران تلتهم أجساد أناس كانوا على قيد الحياة .. أشلاء
بشرية متناثرة على امتداد الساحة .. منظر لا يمكن لعقل تحمله .. لن أنسى ذاك الطفل
المستسلم لقدره والنار تلتهم جسده الغض .. تثاقلت أنفاسي وضاق صدري، أسدلت جفوني
مستسلماً لحالة إغماء.. لم ولن أنسى هذا الكابوس ما حييت ..لن أنسى ذاك الطفل حتى
بعد الممات .”
اغرورقت عينا أبي جميل بالدمع فأغمض عينيه
مكابراً، إلا أن صوته المخنوق كسر حاجز أهدابه سامحاً لسيل من الدمع بالمرور على
وجنتيه، وصولاً إلى لحيته الصغيرة المشذبة ..
انفجار دركوش رسالة
قيل فيما مضى أن انفجار باب الهوى كان
يستهدف وفداً من الائتلاف الوطني، إلا أن ضحايا التفجير كانوا من المدنيين الباحثين
عن مكان آمن بعيداً عن القذائف والطيران والصواريخ ..
انفجار دركوش لم يكن يستهدف إلا المدنيين..
فمن يعرف جغرافيا المكان الذي زرعت فيه السيارة المفخخة، وبعده عن مقرات المعارضة
المسلحة، يدرك ببساطة أن المستهدف في التفجير هو المدنيين، لا أحد غير المدنيين ..
لكن ما المقصود من استهداف المدنين وفي هذا الوقت بالذات؟..
يقول أبو العبد، ضابط أمن لواء حرس الحدود:
“إن استخدام قوات الأسد لهكذا عمليات
إرهابية، ما هو إلا رسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى المعارضة المسلحة مفادها..
أولاً: مازلت قادراً على اختراق صفوفكم وأن أصول
وأجول بين أصابعكم وقت، وكيفما أشاء..
ثانياً: أخبرتكم فيما مضى وبشعار واضح
” الأسد أو نحرق البلد “، وها نحن الآن ننفذ ما قلنا بحرق البلد فوق رؤوس مؤيديكم الذين سيحرقونكم أحياء
طال الوقت أو قصر..
يتابع أبو العبد حديثه:
“قضية أمن المناطق المحررة قضية قديمة جديدة،
لطالما نادينا لمناقشتها ووضع استراتيجية واضحة للتعامل معها، من خلال إنشاء إدارة
أمنية بصلاحيات كاملة قادرة على درء أي خطر يتهدد المدنيين والعسكريين على حد سواء،
إلا أن صوتنا دائماً ما يذهب هباء الريح، ودائماً ما نسمع نفس الكلام عن قلة الدعم،
وضعف الإمكانيات، وغيرها من التبريرات غير الواقعية”…
ورداً على سؤال حول الجهة التي تتحمل
مسؤولية تفجير دركوش أجاب:
“لا أحد يستطيع رمي الاتهامات جزافاً بحق
أي فصيل من فصائل المعارضة المسلحة، إسلامية كانت أو علمانية، وإنما يتحمل
المسؤولية كل من يحمل السلاح ويقبع داخل المناطق المحررة لا على الجبهات .. وباعتقادي
يقع اللوم الأكبر على هيئة أركان الجيش الحر لأنها الجهة الرسمية الوحيدة المعترف
بها دوليا،ً والقادرة على إنشاء إدارة أمنية تتحمل مسؤولية المهام المنوطة بها . هذا من جهة، أما من الجهة الثانية أليس من
المفترض أن ترسل الهيئة أو توكل مهام التحقيق بالتفجير لجهة تتبع للأركان، على الأقل
ليشعر الأهالي في المناطق المحررة بشيء من الاطمئنان حتى وإن جاء متأخراً.. أعتقد
أننا ما زلنا في دائرة (إبريق الزيت)، فالأركان تلقي باللوم على الائتلاف الوطن
والمعارضة السياسية غير القادرة على تأمين الدعم اللازم للمعارضة العسكرية ..
والمعارضة السياسية تلقي باللوم على أصدقاء سوريا، والمجتمع الدولي الذي بدوه يلقي
باللوم على الكتائب الإسلامية والمعارضة السياسية غير الناضجة، وفي النهاية من يدفع
الثمن هو المدنيين الذين نادوا من بداية الثورة يا الله مالنا غيرك يا الله..
الرحمة على شهداء تفجير دركوش وعلى أرواح
شهداء سوريا الحرة والخزي والعار لقوات الأسد وأتباعهم إلى يوم الدين”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث