الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / جنيف القادم والثورة مستمرة

جنيف القادم والثورة مستمرة

عمّار الأحمد

بتحديد
مجلس الأمن الدولي موعداً لعقد “جنيف 2″، بتاريخ 15 تشرين الأول، يكون الوضع
السوري قد أصبح دولياً بامتياز، ولم يعد موعداً لعقد الصفقات بين لافروف وكيري، أي
يكون على السلطة والمعارضة أن تحضّر نفسيهما للذهاب إلى جنيف. طبعاً لا المعارضة متفقة
بكليّتها، ولا السلطة كذلك، على الذهاب، لأن “جنيف” سيكون بشكل أو بأخر،
على حساب فئات في المعارضة وفي السلطة، أي على حساب من يريد استمرار “الحرب”
(الرؤوس الحامية)، إلى أن يُسقط أحدهما الآخر، أو يرفع من شأن حصته في المعارك الجارية.

منذ
ضربة “الكيماوي” حدثت تغيرات كبيرة في صفوف المكوّن العسكري، أخطرها، محاولات
“الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، فرض سلطتها على مناطق واسعة
في حلب وريف ادلب وصولاً إلى اللاذقية، وذلك لفرض واقع جديد يُسحق فيه الجيش الحر،
ويعطيها مساحة واسعة للتحرك، خوفاً من اتفاق ممكن بنتيجة مفاوضات جنيف، بين جيش النظام
والجيش الحر ضدها، كونها خارج معادلات الحل، وخارج أي تسوية ستحدث، وربما يكون انعقاد
“جنيف” نفسه، بدفع من خطر توسعها كذلك.

“داعش”
هذه، تقدم خدمة مثالية للنظام، وهي لم تفعل شيئاً حقيقياً في مواجهته بالطبع، وبالتالي
يُلاحظ أن أفعالها مرتبطة مباشرة باستخبارات عربية أو اقليمية، تريد تعديل موازين القوى
لصالحها في إطار المعارضة، سيما أن (الأخوان المسلمون)، و”إعلان دمشق”، وقطر
وتركيا قد تهمش دورهاً، مع توسعة الائتلاف، أي فقدت الكثير من تأثيرها، وبالتالي من
إمكانية استثمارها لاتفاق جنيف، خدمة لمصالحها المستقبلية في سوريا.

“داعش”،
بحربها ضد الجيش الحر، في كل من الرقة وحلب وإدلب، تفتح المجال للنظام ليقوم باختراقات
متعددة في عدة مناطق، ويحسّن شروط التفاوض لديه، وفي هذا استعاد بلدة خناصر في حلب،
كبلدة هامة في خطوط الإمداد، ولكن رغم ذلك، فإن قدرة النظام أضعف من الاستفادة من قوة
“داعش”؛ فقواه محطمة تماماً، وتتركز حصراً بالطيران والمدفعية، ولا سيما
بعد تحييد “الكيماوي” عن سلاح المعركة، وبعد فشل القوى المستجلبة من لبنان
والعراق وإيران، أي أن النظام لن يستفيد فعلياً من هذه الخطوة، ولكنها قد تساعده في
تعديل جزئي لقواه على الأرض، وفي التفاوض.

تشتت
قوى المكوّن العسكري، واشتداد نزعة التأسلم كمرجعية لديه، في ظل غياب الشعب عن ساحة
الفعل، يأتي في سياق الضغط على “الائتلاف” المعارض لعدم التفريط بـ
“جنيف”، وربما لتشارك تلك القوى مباشرة في الاتفاق، وتأتي رداً على طائفية
وظلامية “داعش”، وإفهامها أن الثورة والسوريين يعرفون الإسلام جيداً، ولا
يرتهنون، لا للأمريكان، ولا للفرنسيين ولا لسواهم، وعليها إعادة حساباتها بما يتوافق
مع خيارات الثورة، لا أن تفرض خياراتها، وتستمر في فرض سلطتها على المناطق التي حررها
الجيش الحر بدماء مقاتليه، والشعب السوري عبر تظاهراته ومعتقليه وحرمانه. ولكن انفصال
“داعش” عن الثورة، بداية 2013، وتكرارها لمشروعها المتعلق بتطبيق الخلافة
الإسلامية حصراً، قد يدفع إلى اقتتال داخلي سيتوسع بالضد من أهداف الثورة، وهو ما سيستفيد
منه النظام مباشرة، سيما وأنه لا يزال يناور بما يخص “جنيف” ويحاول تمرير
شرط استمرار الأسد في المرحلة الانتقالية.

توقيع
بيان المجموعات الـ 13 وتشكيل جيش الإسلام من نحو 60 مجموعة بقيادة زهران علوش، ورفض
كتائب ريف حمص الشمالي لـ “داعش” بل لـ “جبهة النصرة”، وتشكيل
مجموعة جديدة في البوكمال، كلها معطيات تشير إلى واقع جديد، أساس تشكّله عائد إلى إقرار
موعد اتفاق جنيف، وتنبيه “داعش” لما يحدث وتقديم الوعود لحرب قادمة ضدها.
النظام سيبقى يحاول تعزيز شروطه، وهو ما يعقد حسم بعض المعارك ضد “داعش”،
ويجعلها تنتصر بدورها، وبذلك يرفع من أسهمه، باعتبار سوريا أصبحت معقل حرب للإرهابيين
وليست دار سلام للمعارضة، ولا توجد قوة قادرة على مواجهتها سوى القوى النظامية، إضافة
لكتائب من الجيش الحر. وبانعقاد طاولة “جنيف” يكون لدى النظام معطيات جديدة،
تقول: إن المعارضة هشة وضعيفة، والكتائب خرجت عنها وشكلت قواها الخاصة، و”داعش”
أحكمت سيطرتها على قسم كبير من سورية، وهي تتوسع، ونحن من نضمن لكم حياة مجموعات التفتيش
على الكيماوي، والتخويف من إمكانية وصوله إلى أيدي “الجهاديين”، وخطر ذلك
على إسرائيل ودول الإقليم. وبالتالي يلعب النظام بالوقت الثمين لما قبل “جنيف”،
والمعارضة مفككة تماماً، فعدا عن تفككها بين قوى سياسية متعددة هي مفككة في إطار الائتلاف
الوطني ذاته.

الأخوان
المسلمون أجنحة متعددة، داخل الائتلاف وخارجه، والمتضرر منهم من توسعة الائتلاف، لم
يتوقف عن التنديد بـ “جنيف”، والتخفيف من خطر “داعش” أو المرجعية
الإسلامية لكثير من الكتائب، لجهة تعزيز مواقعهم، بعد أن سحبت منهم في الائتلاف. يدعمها
في ذلك قطر بالتحديد، سيما وأنها من الخاسرين من ذلك أيضاً، وسيحاولون عرقلة، أو لنقل
الضغط لتعديل مواقعهم في جنيف، أو على الأرض، وبالتالي ورغم تراجع موقع الأخوان المسلمين
بعد تجربتهم الفاشلة في كل من مصر وتونس وسواهما، فإنهم في سوريا، يحاولون القيام بالدور
نفسه، مستغلين تأخر انتصار الثورة، ودخول “داعش” على الخط، وتسويق أنفسهم
بقوة عند الأمريكان، سيما وأنهم مدعومون من قطر وتركيا؛ ولكن بأي اتفاق لن يكون للإخوان
حصص كبيرة، فـ “جنيف” لا تسمح بذلك، وربما الثورة لا تسمح بذلك، ومحاولة
اعتمادهم على العمل العسكري لتحصيل مواقع متقدمة، ربما سينتهي لاحقاً على وقع توزيع
حصص “جنيف”، للسياسيين وللمكون العسكري وللنظام.

من لا
يحسب حسابه، وليس ممثلاً بقوى المعارضة، هو من سيستفيد من “جنيف” في حال
حدوثه، فإذا سارت أمور الثورة، بسبب همجية النظام في الحرب، وبسبب من قوى، كالإخوان
المسلمين الذين دفعوا نحو ذلك، وساهمت قوى إعلان دمشق فيه، عدا عن صيرورة الثورة وتلك
الهمجية، أجبرت السوريين على طريق الدماء والدمار، أقول سيستفيد الشعب من خيار
“جنيف”، وسيكنس كل القوى السياسية، التي أغرقت السوريين ببحر من دماء ودمار
وتعذيب ومصابين وشهداء، وغرقت في الفساد.

هنا
كل الأمل، وليس في القوى التي ستحاول التحاصص على سوريا في “جنيف”.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *