الرئيسية / منوعات / منوع / رسالة معتقل

رسالة معتقل

خير الدين عبيد

يا عنادل الورد الجوري، يا حساسين البراري، يا سنونوات الغيم، يا شحارير
الغابات، يا حمائم الأبراج الطينيّة، ويا عصافير الدوري، هلمّوا إلي، قفوا على
كتفَي، وعندلوا.. وغرّدوا.. وزقزقوا.. ورفرفوا.. واسكبوا ألحانكم وموسيقاكم في
خاطري، عساها “بكلّ ما تخزنه من طُهر وشذىً، تلملم شظايا قلبي، المتناثر
كزجاج نوافذ بيتي، كأفراد عائلتي، كحلم حبيبتي، كحكايات مدينتي، كخطواتي
المتعثّرة، اغرسوا في أبهره زهر الخزامى، وادلقوا في البُطين موشّحاً أندلسيّاً،
موّالاً شعبيّاً، تمتمات أمّ ثكلى تُرنّم اسم ابنها البكر المحفور على شاهدته بخط
الدم “الشهيد رقم 27″، ترتيلاً
لجزء “يس” بصدى ارتطام الدموع على أوراق العوسج، غرّدوا كجوقة أنشودة
سهل الروج، جبل الأربعين، مياه العاصي، وأحراش دركوش.

لكن.. إيّاكم، يا طيور الروح أن تنقروا أذني، أخاف على مناقيركم البريئة من
التكسّر، فصيوان أذني بات من الرصاص لكثرة ما سمعت من أزيزٍ وانفجارات، لا تخافوا..
أنا لست تمثالاً أو فزّاعة طيور، أنا أسير قفص البشر المسمّى زنزانة. الريح هنا –
يا أحبّتي – سياط تجلدني، العشب هنا بساط
الريح، الأغصان هنا جنازيرٌ مدلاّة من السقف، الماء هنا دم، الفراشات هنا بقّ
وقمل، البذور والتين الطازج هنا كسرة خبز عفن، العصفورات وبتلات الزهر المزركش بحبّات
الطلّ هنا جثث، الحفيف والخرير والهسهسة والثغاء هنا آهاااااات وصراخ وأنين،
الفلاّح والراعي هنا جلاّد، السماء البعيدة العميقة الموشّاة بأطياف غيم وردي هنا
سقف خرسانيّ منخفض جاثم ، الجبال الزرقاء المعشبة بالبلاّن وشجيرات حَبّ الآس هنا
حروف شكّلتها شخبطات الأسرى على شكل حيطان للفقد الأبدي، وأنتم هنا طائر مذبوح.

فافتحوا، أستحلفكم بالرحيق والنسيم والخضرة والتحليق، كوّة في القلب، كوّة
بحجم فتحة منقار فرخ يكاد يموت من الجوع، وألقموني لحناً صرفاً من مقام الحريّة.

وانقلوا عن لساني المشقّق كأرض لم يُصبها المطر منذ احتلال، أنّ معتقلاً
ما، يشهشه من الأمل، يحشرج بالفرج، يتأتئ ببهجة الغد، ويزفر الوجع بكلّ ابتسامة
ممكنة.

وانقلوا عن أصابعي المقطوعة والمنزوعة الأظافر، أنّها لا تزال ترسم على أرض
الزنزانة الرطبة المظلمة خرائط النور والخلاص .

وانقلوا عن عيوني الساهدة الحمراء بأجفانها الزرقاء رؤاها لدالية تظلّل كلّ
تراب الوطن المقدّس، لبسمة طفل أشعث الشعر،
لدِيك يقف على رابية القلب صائحاً للفجر الرائق النديّ المطمئن.

وانقلوا عن روحي التي فارقتني منذ تغريدة أو تغريدتين، أنّها ماتت لأجل
حرّيتكم ميتة أو ميتتين.

وانقلوا عنكم، يا عنادل الورود الجوريّة، يا حساسين البراري، يا سنونوات
الغيم، يا شحارير الغابات، يا حمائم الأبراج الطينيّة، ويا عصافير الدوري، أنّكم
اعتزلتم التغريد ما دام في هذه الأرض السوريّة ثائر عاقّ للتراب، وقد نسيَني قصداً
كي أموت.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *