ثائر الزعزوع
قد تكون مفردة الثأر
واحدة من أكثر أمراضنا الاجتماعية استعصاءاً على العلاج، فهي شكلت تحدياً كبيراً
حتى بالنسبة لواضعي القوانين على مدى التاريخ العربي الحديث والمعاصر، إذ تتمسك
الكثير من المجتمعات العربية بالثأر وتعتبره حقاً لا يمكن الاستغناء عنه، وهي تأخذ
ثأرها ولو بعد أربعين عام، مستندة في هذا إلى الزير سالم الذي سعى ثأراً لأخيه
كليب الذي ناشده بألا يصالح.
اليوم تعج مواقع
الانترنت بعبارة الثأر من جديد، وخاصة بعد الإسراف في استخدام آلة القتل التي لم
يتوقف النظام عن استخدامها يوماً، ولم تقتصر تلك “الآلة القذرة” على
الأسلحة التقليدية والشاملة، بل امتدت إلى الإعلام، فتحول الإعلام إلى سلاح قاتل
بيد النظام يضرب به قيم المجتمع وعاداته وأخلاقه، فبينما دأبت أجهزته الأمنية على
انتهاك حرمات المنازل واعتقال المواطنات للضغط على الناشطين والمشاركين بالثورة،
سواء أكانوا مسلحين أم سياسيين، عمد جهازه الإعلامي إلى تلفيق القصص وإعداد سيناريوهات
تكون كفيلة بالإساءة إلى كل ما هو أخلاقي وإلى كل قيمة صغيرة كانت أم كبيرة لا في
المجتمع السوري فحسب بل في المجتمعات عموماً، وقد كتبت في العدد الرابع من
“صدى الشام” 8/19/2013 واصفاً
إعلام النظام بأنه سلاح قذر، ولم أكن وقتها أتحامل على الإعلام بردة فعل غاضبة أو
عصبية، لكنها وجهة نظر قائمة على متابعة لما تبثه قنوات الإعلام المختلفة، والتي
توجه بإيعاز مباشر من جهاز الأمن.
وللتأكيد على أنه
سلاح قذر بيد النظام عاد هذا الإعلام ليستبيح مكونات المجتمع السوري من خلال عرضه
“اعترافات” لفتاة سورية هي روان القداح، التي تبلغ السادسة عشر من
عمرها، جلست أمام كاميرا “الإخبارية السورية” دون أن تقوم بإخفاء ملامح وجهها أو تمويهها،
وتقول في تلك الاعترافات إن والدها أجبرها على “جهاد النكاح” أي ممارسة الجنس
مع مسلحين غرباء وآخرين تعرفت إليهم كونهم من المنطقة التي تعيش فيها، مدينة نوى، لقاء
مال تشك أن والدها كان يتقاضاه، كما اتهمت والدها بأنه مارس الجنس معها أيضاً. وأشارت
الفتاة إلى أن والدها كان يقنعها بدورها في “الجهاد”، وأنها في حال ماتت
فهي “شهيدة وستدخل الجنة”، موضحة أن والدها هرب مع رفاقه عند اقتحام الجيش
النظامي لمدينة نوى، وقامت بدورها باللجوء للجيش الذي قام بإنقاذها. طبعاً من
المفيد التذكير أن مبتكر أكذوبة “جهاد النكاح” هو المرتزق غسان بن جدو،
وقد تبين فيما بعد أن الطفلة روان القداح معتقلة منذ تشرين الثاني من العام
الفائت، وقد قامت قوات النظام باختطافها بعد خروجها من مدرستها للضغط على والدها
من أجل تسليم نفسه، وقد علت على الفور
أصوات من هنا وهناك تطالب بالثأر لروان القداح وسارة العلاو، وطل الملوحي، وسواهن
من الفتيات السوريات اللواتي قام النظام بإجبارهن على الظهور عبر شاشته للإدلاء
باعترافات مفبركة.
المهم هنا هو في كيفية
الثأر، وفي شكل الثأر من وسائل إعلام لا يردعها رادع لا مهني ولا أخلاقي ولا
إنساني، وهي تمارس التزييف والفبركة منهاج عمل لها، ولا تتورع عن تأليف الأكاذيب،
إذ لا يمكن الاكتفاء بإطلاق الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي ليومين أو ثلاثة
أيام، وفي أحسن الحالات لمدة أسبوع، ولا في إطلاق تسمية تضامنية على أحد أيام
الجمع، بل يكون الثأر في عمل إعلامي منظم تأخذ فيه المرأة حقها وهي التي شاركت في
الثورة منذ بدايتها، وعدم السماح لمجموعة من الظلاميين بتغييب المرأة السورية
العظيمة وحبسها في بيتها لأنها عورة وينبغي التخلص منها، نساؤنا أخواتنا بناتنا
يجاهدن بأرواحهن في سبيل حرية سوريا، و إعلام الثورة مطالب بأن يعمل ما بوسعه
لتأكيد هذه الحقيقة، فهن لسن طباخات ولا حاضنات لمقاتلين فقط، بل مقاتلات عظيمات،
خرجن في التظاهرات قبل الكثير من الذين كانوا يخشون الوقوف على الرصيف لمتابعتهن،
وكتبن على الجدران بدمائهن ودموعهن، حلم حرية سوريا الذي تأخر..
هؤلاء هن نساؤنا،
هؤلاء هن السوريات، وهكذا نثأر لهن، بإعطائهن حقهن الذي نلنه، لا باستلابهن، لا
بتحويلهن إلى هدف للسبي في حال التقدم إلى الأمام، وفي إخفائهن خشية من السبي في
حال التقهقر، لا نريد لنسائنا أن يختصرن بالسبي، ولا أن يتحولن إلى جوارٍ في إمارة
أمير، ولا أدوات يستخدمهن إعلام قذر للإساءة إلى سوريتنا، وإنسانيتنا.
السوريات هنّ الملكات
المتوّجات، أمهاتنا اللواتي أرضعننا الكرامة، وشقيقاتنا اللواتي حملن همومنا،
وزوجاتنا اللواتي قاسمننا أحلامنا، وصديقاتنا اللواتي كنّ معنا في لحظات السير إلى
الأمام، وبناتنا اللواتي نحلم بأن يبدأن بناء وطن حر، السوريات هنّ القادرات على
صناعة المستقبل الذي نحلم به، لا زائفاً مشوهاً كما فعل النظام، ولا ظلامياً كما
يريد البعض.
السوريات هن اليمامات
المحلقات عالياً فوق رؤوسنا جميعاً.. ما الذي يضير إعلام الثورة أن يحتفي
بالسوريات؟، ما الذي يضيره أن يتذكر بفخر حكاية طل الملوحي شرارتنا الأولى، وسهير
الأتاسي ومي سكاف وفدوى سليمان، وريما فليحان، ومنتهى الأطرش، وسعاد نوفل المرأة
الواقفة كما نخلة شامخة لا تنحني..
ليس الثأر من الإعلام
والنظام، بالتسلح في وجهه فقط، وليس الثأر منه بشتمه وبصفحة على الفيسبوك، ليس
الثأر منه بالتهديد بفعل مثل ما فعله، بل الثأر منه بسوريتنا. ليست سوريتنا عبئاً
ثقيلاً كي نخلعه، هي قدرنا الجميل الذي سنحارب بأرواحنا وأقلامنا لأجله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث