مصطفى محمد
واقع سيء تعيشه المدينة الصناعية في حلب،
حالها حال بقية المناطق الصناعية الأخرى في سوريا.. باهتة، راكدة، “متعبة”،
لكنها مع ذلك، لا تخلو من الحياة والعمل والحركة والإنتاج أيضاً. ولكن كيف؟
هذه المدينة، في منطقة الشيخ نجار، ذات
المساحة الكبيرة والمعامل الضخمة والكثيرة، والتي كانت تعد فخراً للمواطن السوري،
والحلبي على وجه الخصوص، ويعول عليها كركيزة أساسية في بناء سوريا المستقبل، تم أخيراً
تحريرها من بقايا النظام على أيدي الثوار، وهم الآن يعملون على مساعدة أصحاب
المعامل والمصالح المختلفة فيها، على إعادة تشغيل معاملهم ومصالحهم، بإشراف أجهزة
مختصة وبإدارة مؤسساتية جديدة.
واقع مرير.. وأعباء إضافية
شكاوى غير منتهية من أصحاب المعامل، ولاسيما
الصناعات التي تعتمد على المواد المستوردة بشكل أساسي، كالأدوية والنسيج.. نقص في
المواد الخام، وغلاء في أسعارها إن وجدت، وغلاء مضاف، بسبب ارتفاع أجور النقل والمواصلات
وتكلفة “الأمن” الباهظة أيضاً.
وللوقوف على مشاكل المدينة الصناعية في حلب،
ومعرفة إمكانية عودتها للحياة والإنتاج مجددا، التقت “صدى الشام” بعض
أصحاب المعامل والمصالح فيها وكانت هذه الشهادات.
– (مصطفى)، صاحب معمل محارم ورقية قال:
“لا نجد المواد الخام، ونعاني الأمرين من ارتفاع تكلفة الكهرباء، ناهيك عن
الهواجس الأمنية”.
– (أحمد) صاحب معمل غزل ونسيج يقول: “لايوجد
خيط مستورد، نعمل الآن ببقية البضائع المخزنة، ولن أحدثك عن ارتفاع الأسعار..
أصبحنا نبحث عن المواد فقط والسعر أصبح ثانوياً”.
لاشك، أن ما تحدث به هذان الصناعيان، حول
مشاكلهما ومعاناتهما، يعكس، ويختصر معاناة ومشاكل معظم أصحاب المصالح والصناعيين
والحرفيين في المدينة الصناعية، إن لم يكن كلهم. ونحن بدورنا نقلنا هذه الشكاوى
ومعاناة الصناعيين إلى مجلس محافظة حلب الحرة.
إدارة “طموحة”.. و”أمن”
قيد الإنشاء
المهندس عبدالملك الشيخ، رئيس المكتب الاقتصادي
في مجلس محافظة حلب الحرة قال: “إن عدد المعامل العاملة الآن، حوالي خمسمائة معمل،
وهذه النسبة تشكل ربع عدد المصانع التي كانت تعمل قبل بدء الثورة. ونحن اليوم جئنا
إلى هنا كي نعمل بجد، ونتعاون مع الصناعيين، قدر الإمكان لعودة الحياة إلى المدينة
الصناعية”.
وللعملم – يضيف المهندس الشيخ – فإن “هذه
المدينة تستوعب آلاف العمال المحتاجين للعمل، لكن أغلب المصانع، التي تعمل حالياً،
هي المتختصصة في مجالات الصناعات الغذائية والأدوية، بينما تغيب الصناعات الثقيلة
التي تحتاج إلى اليد العاملة بكثرة.
ويختم المهندس الشيخ بالقول: “نحاول
التواصل مع أصحاب المعامل الذين هم خارج الوطن لحثهم على العودة وطمأنتهم بأن
الأمور تسير بالشكل الصحيح”.
أما العميد أحمد فارس مروش، ضابط أمن المنطقة
الصناعية فقال: “نحن هنا في جهاز أمن الصناعة، تتوزع مهامنا، بين حماية
المدينة، وتلقي الشكاوى الأمنية من الصناعيين. وقد قمنا باسترداد بعض المسروقات من
المعامل، وإعادتها إلى أصحابها، ونسعى الآن لتأمين الطريق الواصل، من معبر باب
السلامة الحدودي مع تركيا، إلى المدينة، وذلك لتأمين سلامة دخول المواد الخام
إليها، وذلك طبعاً بالتعاون مع فصائل المعارضة المسلحة الموجودة في المنطقة، وعلى
رأسها “لواء التوحيد” الذي نتبع له نحن كجهاز أمن.
مأوى للنازحين.. رغم غياب الخدمات
تحولت المدينة الصناعية في حلب، إلى مخيم
للنزوح أيضاً، وذلك في ظل نقص مراكز الإيواء، أو انعدامها في بعض المناطق. ويقدر
عدد النازحين بخمسة وعشرين ألفاً، ممن فقدوا منازلهم، نتيجة قصف قوات نظام الأسد
لها وتدميرها.
وشكلت مباني المعامل والمصانع المتوقفة عن
العمل، أو تلك التي قيد الإنشاء، إلى مساكن مؤقتة لهذه العائلات المنكوبة، التي
تخشى أن يطول بقاؤها فيها إلى أمد لا يعلمه إلا الله.
وخلق هذا الواقع الجديد بدوره، مشاكل وأزمات
جديدة، في المدينة الصناعية، حيث تقوم إدارة المدينة حاليا، بمحاولة تنظيم إقامة
العائلات المقيمة في المدينة، وتأمين الماء والكهرباء والإغاثة ومستلزمات الحياة
لها.
عمالة كبيرة.. وأجور متدنية
أثناء تجوالنا بالمدينة، بين
“مساكن” النازحين الجديدة، لاحظنا الأعداد الكبيرة من الباحثين عن العمل..
فما أكثرهم!
وجوه واجمة و”مغبرّة”، جف الأمل
ببعض أصحابها.. سعيد الحظ منهم من يجد عملاً براتب، لا يكاد يكفيه سد الرمق!
سمير، يعمل ثماني ساعات يومياً في معمل للغزل
والنسيج بالمدينة. يتقاضى أسبوعياً أربعة آلاف ل.س، يذهب نصفها للمواصلات. يقول
سمير، “لم أجد أفضل من ذلك”.
ولم يستطع نضال، العامل في معمل للسكاكر، أن
يمنع دموعه من مصاحبة حديثه لنا، يقول: “أتقاضى شهرياً خمسة عشر ألف ليرة
سورية: “يذهب نصف راتبي للمواصلات، ولإيجار المنزل مناصفة، ونصفه الباقي – إذا
بقي – لأسرتي”.. لكن نضال يختم حديثه بحمد الله وشكره، على كل حال!
“أمل”..
يتعدى سوء الحال
مع كل ذلك، ورغم كل هذه المشاكل والأوجاع،
فثمة حياة ستلمسها، عندما تزور المدينة الصناعية في حلب، فتراها تعج بالحياة
والعمل.. شاحنات تأتي محملة بالمواد الخام الخاصة في بعض الصناعات، تفرغ حمولتها،
ثم تحمّل بالسلع المصنعة والجاهزة للاستهلاك، إلى الأسواق.
وبحسب رأي الاقتصاديين الحلبيين هنا، فإن هذه
المدينة، بعد سقوط النظام، قادرة على استرداد عافيتها في غضون عام، على أبعد
تقدير.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث