عمّار الأحمد
لم تعمل مرة واحدة الإمبرياليات لصالح الثورة، ومن الغباء بمكان الاعتقاد
بغير ذلك، ولكن ومع الاجتماع الأخير للأمم المتحدة ومجلس الأمن في 26 أيلول، وما
جرى من توافقات أمريكية وإيرانية وروسية وفرنسية، فإن معطىً جديداً يتقدم؛ يتقدم
باتجاه جنيف وكيفية تسليم الكيماوي والنووي الإيراني، وبداية حل في الأسابيع
القادمة. يدفع نحو ذلك، تطور وضع المكون العسكري نحو تشظيات واقتتال بين مكوناته،
تقودها داعش ضد الثورة وضد الجيش الحر، وكان الرد على ذلك تصعيد التنديد الإعلامي
بداعش من جهة، التي ترفض الائتلاف الوطني والجيش الحر، وتصرّ على خلافة إسلامية
وموالاة من الكتائب. ولكن الرد عليها جاء عبر تشكيل جديد –بيان الكتائب الرافضة
للائتلاف الوطني ولحكومته- من كتائبَ بعضُ أقسامها محسوبة على الائتلاف؛ وأبرز
تشكيلاتها جبهة النصرة، وبسياق واضح أنه لا الائتلاف الوطني ولا الجيش الحر يمثل
الثورة ولا داعش، وبالتالي هناك بداية جديدة لاقتتال كارثي بالمناطق المحررة، ولضبطها
وبناء سلطة على أراضيها بالخضوع حصراً لمشيئة المجموعات الجهادية، وهناك من بدأ
يرشح اسماً جديداً كبديل عن الجيش الحر وهو “جيش محمد”، كتصعيد ضد داعش
وخشية من تأسلمها الزائد، ورغبة في طرحها بالضد من ملامح ليبرالية يمكن للائتلاف أن
يعززها عبر تحالفه مع الأمريكان والفرنسيين، ولا سيما أنه جرى تسويق فكرة جيش “وطني”
ومدعوم أمريكيا لمواجهة المجموعات الجهادية؛ بالتالي هناك بدايات لتحطيم الجيش
الحر ليتشظى لصالح مجموعات متنافسة في الإيديولوجية الدينية والوطنية، تتقاسم الأرض
المحررة؛ وربما يكون كل ذلك بمثابة ضغط إضافي على الائتلاف والجيش الحر، ليكونا أكثر
حزماً بما يخص تمثيل الثورة، وعدم الارتماء بأحضان الروس والأمريكان والخضوع لأية
تسوية وبرعاية روسية إيرانية. ومن هنا قام مجموعة ضباط ويتجاوز عددهم المئة من
ضباط الجيش الحر بإصدار بيان تحذيري للاتئلاف يحذر من الموافقة على أية تسوية تكون
إيران شريكة فيها. طبعاً قد يدفع النظام بقوى لرفض ذلك، وقد يدفع الإخوان بقوى
لهذه الغاية بالتحديد.
يقع على الائتلاف التنبه إلى أن من منع الوصول إلى حل سياسي منذ جنيف
الأول، هو اختلاف مصالح الدول العظمى وعدم استخدام النظام لكل أسلحته؛ ولكن وبحدوث
ذلك التوافق كما أشرنا أعلاه، وبنفاذ إمكانية استخدام الكيماوي، وفشل القوى
الطائفية المستخدمة من قبل النظام، وتوسع الأرض المحررة، يصبح الحل ضرورة للنظام،
كما أنه ضرورة للشعب، وبالتالي لا يمكن الترحيب بأية تسوية؛ كما يفترض الوضع
التخلص من ممارسات وسلوكيات السياسات المتبعة والقائمة على الخفة والتبعية للأمريكان
وحسب الطلب، والتقدم ببرنامج واضح يشمل كافة بنى المجتمع والدولة والوقوف عنده،
أقلها أن يكون ذلك في العلن، وترك كل أشكال المساومة لعالم الخفاء، ولكن دون التفريط
بذلك البرنامج، وعدم الإذعان للمجموعات الجهادية، وتقديم طرح واضح لدور الكتائب
العسكرية، والعمل على إغلاق منافذ الدعم المالي والسياسي المشتت والعشوائي؛ القيام
بذلك ربما سيعيد للائتلاف ولربما للسياسة بالعموم دوراً في المناطق المحررة.
وبالوقت عينه، ما لم يتدخل الشعب والمنظمات السياسية والمدنية ومختلف أشكال
النشاط العملي، في المناطق المحررة، للإعلاء من شأن سلطة الشعب، والعمل معها، من
أجل سلطة تمثل الشعب فعلاً، وتبعد كل أشكال السلطات العسكرية، التابعة للمجموعات
الجهادية أو للجيش الحر، فإن الجهادية ستتوسع، وستحاول فرض سلطاتها بشكل مستمر على
مناطق جديدة.
لا تستطيع الدول الامبريالية، وهي تعرف بدقة ضعف النظام الآن، وتقدم
المجموعات الجهادية بشكل مستمر، وخطر ذلك على الإقليم برمته، وعلى إسرائيل. أقول
لا تستطيع الصمت، وبالتالي لديها كل الأسباب لعقد صفقة جنيف الجديد. الثورة معنية
بالتقدم بعيداً عن الصراعات بين المجموعات الجهادية وعن الصراعات بين القوى
السياسية المشكلة للائتلاف أو الهيئة أو القوى الكردية؛ وطبعاً لا نستثني دورها،
ونصرّ على ضرورة تطوره سيما وأن المشكلات تتعقد كثيراً، وتتداخل على كافة
المستويات بدءاً من الاقتصادي، وصولاً إلى السياسي، مروراً بالطائفي والمناطقي
والقومي. أقول الثورة معنية بتشكيل هيئات جديدة؛ فإن تلمست القوى الجهادية ضعف
الائتلاف وحكومته، ومحاولات داعش للتمدد، فإن على قوى الثورة الشعبية الوطنية وعلى
اختلاف أشكالها، العمل على مختلف الأشكال من أجل تمثيل الشعب وتمثيل مطالبه،
والعمل على مهمات واقعية تلبي حاجات الناس في مختلف مناطق سورية؛ الناس منتظرة لأي
جديد حقيقي، ولا تنتظر ثرثرات فارغة، أو أفعالاً سياسية للتكسب السياسي، وهي تئن
تحت تحكّم المجموعات الجهادية، وتحت الجيش الحر، وتعرف الكثير عن فشل الائتلاف
الوطني، ولكنها كذلك وقبل كل ذلك ترفض النظام، ولن تخضع له ثانية، وبالتالي هناك
أرض حقيقية للسياسة ولبرامج اقتصادية وسياسية وثقافية وتعليمية تلبي احتياجات
الناس. طبعاً لن تفهم ذلك الأوساط القريبة من الائتلاف، وسيبقى يعنيها فقط الثرثرة
السياسية، ودعم بعض المشاريع الصغيرة، لإغلاق أفواه النقاد.
إذن هناك خوف من اقتتال بين الكتائب عنيف وكارثي، وقد يستفيد منه النظام
ويستعيد مناطق معينة تساعده في فرض بعض شروطه على طاولة المفاوضات، وهناك خوف من
نزعة إسلامية متشددة أكثر فأكثر سيما وأن سوق التأسلم تقوده داعش من جهة والنصرة
ومن يواليها من جهة، والإخوان المسلمون من جهة ثالثة، وهناك تسويف لم ينته بعد من
قبل تشكيلات الائتلاف الوطني، عدا عن دعم إقليمي لكل هذه التشكيلات لإبقاء تأثيرها
فاعلاً في مجريات الصراع اليومي وعلى طاولة التفاوض وما ستفضي إليه.
لا ينقذ الثورة ويعيدها لمجدها الشعبي الوطني ويعيد الناس إليها، إلا قوى
سياسة جديدة، محملة ببرنامج شعبي وطني؛ ربما لم يتبلور هذا الأمر حالياً، ولكنه
سيظهر مع تفاقم المشكلات؛ التاريخ لا يرحم المتاجرين بقضايا الشعب، وقضايا الشعب
تتطلب الآن برنامجاً للحل، سيما وأن الصفقات تعقد الآن، في الأمم المتحدة وفي مجلس
الأمن الدولي وفي الدول الإقليمية. إذن هناك ضرورة لتدخل السوريين في حل قضيتهم،
بعد أن تركت، ولأسباب متعددة، بين دول الإقليم وبين الإمبرياليات العالمية، ومشمول
فيها حُكْماً كل من روسيا والصين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث