الرئيسية / رأي / بخصوص الحل السياسي والمعارضة العتيدة

بخصوص الحل السياسي والمعارضة العتيدة

حازم نهار

بالمعنى العام للكلمة، ليس هناك كائن عاقل يقف ضد الحل السياسي
أو التفاوضي. فالجميع مع الحل السياسي في العمق، لكنهم مختلفون حول ماهية هذا الحل
السياسي، وحتى الذين طرحوا “الحسم العسكري” سيكونون مع الحل السياسي
فيما لو كان هذا الحل مرضياً ومنصفاً.

لكن يشيع اليوم تيار “سحرة الحل السياسي”، تماماً
كتيار “سحرة الحل العسكري”، وكلاهما أسوأ من بعضهما، بل إن كلاهما ينهل
من العقل السياسي السحري ذاته. هنا يصبح تصنيف الناس
بين معسكرين، أحدهما مع العسكرة والثاني مع الحل السياسي، أمراً ساذجاً وسطحياً.
إذ يشعرك الداعون للحل التفاوضي بأن هذا الحل يقف وراء الباب، وبمجرد التصريح به
سيدخل ويتوقف العنف تلقائياً، تماماً كجماعة الحسم العسكري القريب.

أعتقد كثيراً ما تلعب المحركات
النفسية دوراً في الخيارات التي يرتضيها المرء لنفسه، فأصحاب الحل التفاوضي أو
السياسي – كما هو سائد بالطبع – ينظرون لأنفسهم على أنهم “عقلاء” أو
“حكماء” أو “سلميون” أو “نظيفون” أو
“بريئون”، وهي صفات مغرية بالتأكيد. وكنا لنقبل ذلك لو كان لديهم فيما
يخص هذا العنوان ما هو أكثر من الشعار، فهم يتحدثون عن جنيف2 وكأنهم ذاهبون إلى
ندوة فكرية. بمعنى آخر لا يكفي عندما يقول المرء بالحل التفاوضي أو الحل السياسي
حتى نبصم له، بل لا بد من ضمانات مؤكدة لنجاحه وقدرته على تحقيق أهداف الثورة.
الحالة تشبه تماماً ذلك التيار الذي روج للحسم العسكري ولم يكن بين يديه ضمانات
التسليح الجاد والخطة العسكرية الواضحة، إنما مجرد غوغائيات ومزاودات فارغة
.

هل يمكن أن تحقق الثورة بالتفاوض
ما لم تحققه بالقدرة العسكرية، بخاصة بعد دخولها مرحلة العسكرة منذ ما يزيد على
العام ونصف؟ وهل يمكن أن تحقق بالتفاوض الذي يعرضه “الحكماء” ربع
أهدافها بعد أن تصرف النظام السوري مع الشعب كأسوأ محتل وليس كأي شيء آخر؟ هل يمكن
أن يقبل السوريون بنتائج مفاوضات تذهب إليها إما معارضة ما انفكت تكذب عليهم أو
معارضة ما برحت تحتقرهم وتزدريهم؟ وهل هناك حقاً موازين قوى اليوم يمكن أن تجبر
النظام على ما هو أكثر من تقديم وزارتي البيئة والشؤون الاجتماعية للمعارضة؟ أعتقد
أن دعاة الحل التفاوضي بهذه الطريقة لن يحصلوا من النظام وداعميه ومواليه على أكثر
من منصب “مختار دوما”، مع اعتقادي أن دوما لن تستقبله
.

أما بخصوص رواد الحسم العسكري، فنقول إن رجل السياسة
“المهني” يضع دائماً في ذهنه كافة الاحتمالات والسيناريوهات الممكنة،
ويعدّ العدة ويضع الخطط الأولية لكل سيناريو واحتمال. حتى اللحظة لا يوجد خطة لهذه
المعارضة، سواء في مستوى التفاوض أو في مستوى تغيير
موازين القوى على الأرض
.

إذا أجبرت موازين القوى الإقليمية
والدولية قوى المعارضة على السير في اتجاه ما، فعليها أن تدرك أن ذهابها في اتجاه
التفاوض مثلاً لا يعني تخليها عن الخطط والاستراتيجيات الأخرى بالمطلق، بل على
العكس يصبح من الأهمية بمكان تفعيل جميع عناصر القوة الأخرى واستثمار عامل الوقت
من أجل تغيير تصورات المجتمع الدولي واتجاهاته.

النظام يتقن لعبة الموازنة بين
الخطاب السياسي والعمل الفعلي، فهو يقول شيئاً يرضي المجتمع الدولي ويفعل شيئاً
آخر على الأرض، ومع ذلك يظهر أمام العالم أنه ملتزم بالتوافقات الدولية، فيما
المعارضة كالطفل الصغير الذي يعتقد أن كل ما يُقال يطبّق مباشرة على الأرض. أليس
بإمكان المعارضة إنتاج خطاب سياسي يتوافق مع توازنات المجتمع الدولي، وفي الوقت
ذاته العمل جدياً على تغيير ميزان القوى على الأرض؟
! إنها تماماً كالشخص
الذي يمضي وقته في الوقوف على قدم واحدة، فيما المطلوب هو تنويع أشكال العمل
لتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة
.

بقي أن نقول أن التسويات السياسية لا تجد فرصة للحياة إلا في ظل
توازن القوى بين الأطراف، أي عندما “تقتنع” الأطراف بأن توازن قواها
يمنع أي حسم ممكن من جهة، وأن استمرار الوضع فيه خسارة للجميع من جهة أخرى. وغير
ذلك هو مجرد مناظرات فكرية وحقوقية لا يعبأ بها أحد، إذ لو كانت “الحقوق”
هي التي تحكم العالم لكانت فلسطين عادت لأهلها منذ زمن طويل
. قد يقول قائل إن هذا ينطبق على
التفاوض مع أعداء الوطن وليس بين أبناء الوطن الواحد.
هنا نتساءل بدورنا: ألم يتعامل النظام مع البلد وشعبه كأسوأ محتل في تاريخ البشرية؟!

لو كان النظام الحاكم وموالوه من
الدول والقوى يلقون بالاً للحكمة والمنطق والحقوق لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه،
بخاصة أن فرصاً كثيرة أتيحت للنظام من أجل حل سياسي لكنه لم يفعل بل كان يزداد
غروراً وعنجهية وإصراراً وسخرية بالآخرين
. فإذا أردنا
الاعتماد على المنطق والحقوق والنظريات والرؤى فحسب، فإنه يمكن القول أن الحل
السياسي لا يحتاج إلى جنيف 2 ولا يحتاج أصلاً للمعارضة. الحل السياسي يحتاج فقط
لطرف واحد هو النظام، أي لو كان النظام يؤمن بالمنطق والحقوق (بدلاً من الأوزان
الفعلية)، كما تتخيل بعض المعارضة الواهمة، لما احتاج الحل السياسي إلا لخطوات
تنفيذية من النظام
.

أما مفهوم توازن القوى فإنه يشمل جميع الحيزات والمستويات في
الحالة السورية الراهنة ولا يقتصر فحسب على الجانب العسكري. إنه يشمل جميع عناصر
القوة: الإعلام، الخطاب السياسي الوطني، التنظيم، الخبرة التفاوضية، الرصيد
الشعبي، والعلاقات الإقليمية الدولية التي تكاد تكون العامل الحاسم اليوم بعد أن
أصبحت الحالة السورية عرضة لجميع أنواع التدخل.

المشكلة اليوم أن جميع الذاهبين
أو الذين يمكن أن يذهبوا إلى جنيف من جانب المعارضة هم من دون أي وزن في أي مستوى،
لذلك فمشاركتهم أو عدم مشاركتهم لا تقدم ولا تؤخر في الموضوع، اللهم إلا من جانب
إعطاء شكل “سوري” للتسوية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *