الرئيسية / رأي / الاستسلام… انتصاراً!!

الاستسلام… انتصاراً!!

ثائر الزعزوع

عام 1992 أطل الرئيس
العراقي الأسبق صدام حسين من على شرفة أحد قصوره الرئاسية ليطلق من مسدسه الحربي
عدة طلقات مبتهجاً بخسارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب في الانتخابات
الرئاسية أمام منافسه الديمقراطي بيل كلينتون، وقد اعتبر صدام حسين فشل جورج بوش
في الفوز بولاية رئاسية ثانية انتصاراً يكمّل جملة انتصاراته التي حققها إثر معركة
“تحرير الكويت” على يد القوات الأميركية وحلفائها، والتي أسفرت عن فرض
حصار اقتصادي خانق على الشعب العراقي، وتدمير ما أمكن تدميره من البنية التحتية
والقدرة العسكرية العراقية، وكان صدام قد أطلق على تلك المعركة غير المتكافئة
تسمية “أم المعارك” وتوعد قبلها وخلالها الأمريكان وحلفائهم بأنهم سيلقون
هزيمة نكراء، ولعل الجميع يذكرون خطاباته التلفزيونية الحماسية، واستعداده اللفظي
لقهر الغزاة الحاقدين..

المتابع لأحوال إعلام
النظام على مختلف قنواته الفضائية والأرضية بينما كانت حاملات الطائرات الأميركية
تقترب من الشواطئ السورية، يلمس ذلك النوع من الانتصار الوهمي نفسه الذي لم يكن
صدام حسين للأمانة أول مبتكريه، فلطالما كان الخطاب الحماسي يطغى على موسيقى
الهزائم الكئيبة، المهم أن النظام ومن خلال إعلامه سعى جاهداً لترسيخ ذلك النوع من
الانتصار في أذهان جمهوره ومؤيديه، فقد انتصر بشار الأسد على الرئيس الأميركي باراك
أوباما حين رضخ له، وقرر في غضون أقل من ساعتين الموافقة على تسليم أسلحته
الكيماوية، التي كانت حتى وقت قريب تمثل بالنسبة له سلاحاً استراتيجياً لا يمكن
التنازل عنه للحفاظ على توازن الرعب بينه وبين “العدو المفترض” إسرائيل،
علماً أن هذا السلاح “الاستراتيجي” استخدم فقط لقتل آلاف السوريين في
سلسلة مجازر متنقلة شاء المجتمع الدولي، أخيراً، أن يصدق إحداها وهي مجزرة
الغوطتين التي مرت بالأمس ذكرى مرور شهر على ارتكابها، حتى أن السلاح المذكور لم
يستخدم مورقة ضغط في أية مفاوضات سرية أو علنية بين النظام من جهة وعدوه المفترض
من جهة أخرى.

إن السعي الدؤوب
لتحويل تدمير سوريا وقتل أبنائها وتهجير ما يمكن تهجيره إلى انتصار هو شكل راسخ
وثابت من أشكال الدعاية التي عمد إعلام النظام إلى اعتمادها، ولا تفارق الذاكرة
الأجواء الاحتفالية التي رافقت سيطرة قوات النظام المدعومة من ميلشيا حزب الله على
مدينة القصير، بل إنه وزيادة في التنويم المغناطيسي اعتبر أحد
“محللي” النظام معركة القصير هو
بداية المعركة لتحرير الجولان، وصولاً إلى تحرير فلسطين، في استعادة سخيفة وممجوجة
لمقولة رددها إعلام النظام العراقي بأن “معركة الكويت” هي نقطة الانطلاق
لتحرير فلسطين!!

وإسرافاً في فن
التنويم المغناطيسي، فإن أي حديث عن أهمية ذلك السلاح “الاستراتيجي” هي
مخالفة واضحة لفكرة الانتصار، وعليه فينبغي التقليل قدر المستطاع من قيمته
العسكرية والمعنوية، وهكذا تلقى “ضيوف” إعلام النظام الإيعاز، وبدأوا
يشرحون نظريتهم في عدم جدوى إبقاء مثل هذا السلاح، وفي أن النظام السوري لم يراهن
عليه لحسم المعركة مع العدو، وبدأت الفضائية ومعها شقيقتاها الإخبارية والدنيا في
تسويق أطروحات قدمها القائد الخالد ونجله الملهم في تخليص منطقة الشرق الأوسط من
كافة أسلحة الدمار الشامل، وعلى طريقة من يتذكر الماضي، ارتدى إعلاميو النظام
و”أبواقه” أردية أشبه برداء المهاتما غاندي، وتحولوا بين ليلة وضحاها
إلى حمائم سلام تطير في كل أرجاء الأرض لتنشر المحبة والسلام بين الشعوب، بل إن
بعضهم ذهب بعيداً ليقول إن سيده وأباه من قبله قد علما العالم السلام، معتبراً أن
عدم الرد على “عدوانية” إسرائيل هو تسامح واحترام للقانون الدولي، بينما
تنتهك الدولة المحتلة القوانين الدولية، والغريب أن هذا الإعلام نفسه هو الذي أطلق
الزغاريد إبان قيام عناصر “صنيعتهم” في لبنان حزب الله بخطف جنديين
إسرائيليين، وخوض قتال أرهق الدولة اللبنانية وزاد الشرخ بين مكوناتها السياسية
والاجتماعية، وتسبب بدمار هائل في البنية التحتية، وللمفارقة فإن ذلك الدمار بات
يسمى “نصر تموز” لمن لا يذكر، والسبب في تسميته نصراً حسبما أذكر ويذكر
الكثيرون هو أن إسرائيل لم “تستطع” اجتياح لبنان، واكتفت بتدمير ما أمكنها
تدميره فقط.

هكذا يتم تسويق
الانتصارات الوهمية إعلامياً، وهكذا نصت السياسة البعثية التي حكمت سوريا نصف قرن
من الزمان على الكذب، فكل هزيمة يمكن تحويلها لانتصار، وكل من يقتل بحادث سيارة
على طريق مطار دمشق الدولي يمكن تسميته شهيداً، وقد يطل عبر التلفزيون عالم دين
ليقول إنه رآه بين الأنبياء والشهداء، وسيتحول عالم الدين نفسه إلى شهيد فيما بعد،
وقد يراه أحدهم في منامه بين الشهداء والأنبياء.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *