الرئيسية / رأي / هل تقتصر صفقة الكيماوي على الكيماوي:

هل تقتصر صفقة الكيماوي على الكيماوي:

حمزة المصطفى

باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

أعادت “صفقة
الكيماوي” خلط الأوراق على كلّ المستويات في الأزمة السوريّة، فقد تراجع
احتمال الضربة العسكريّة الأميركيّة بعد أن كان احتمالاً قائماً (يهدف إلى معاقبة
الفاعل، وليس على مصادرة أداة الجريمة)، وتركز الاهتمام الغربي على قضية التوافق
مع روسيا على الترتيبات والآليات اللازمة للبدء في عملية تدمير الأسلحة الكيماوية.

وفرت المبادرة الروسية المخرج الذي
يريده أوباما لتجنب العمل العسكري المثير للجدل داخل الولايات المتحدة كونه يضعه في
مواجهة مباشرة مع الرأي العام، ومع أعضاء في الكونغرس. وقد استطاع أوباما أن يروج
للصفقة باعتبارها ” انتصارًا” شخصيًا له ولإدارته حيث أن ” التهديد
بالقوة” حقق نتائج العمل العسكريّ الذي كان ينوي القيام به، وأجبر روسيا على
التراجع خطوة إلى الوراء، والامتثال للمطالب الأميركية.

انطلاقًا من ذلك، يرى كثيرون أن
المبادرة الروسية ستعيد الحسابات الدولية إلى ما قبل 21 آب/ أغسطس 2013 تاريخ
استخدام السلاح الكيماوي في الغوطتين، وبأن الاستراتيجية الأميركية تجاه الأزمة
ستعود إلى المربع الأول. وقد أجملت ورقة تقدير موقف صدرت عن المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسات الاستراتيجية الأميركية تجاه الثورة السورية بأربع محددات
هي:

·الانكفاء عن التدخل المباشر،
والاكتفاء بالضغوط الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية ضد النظام، بما يتوافق مع
المحددات العامة لإستراتيجية إدارة أوباما في القضايا الخارجية.

·عدم اعتبار الأزمة السوريّة تهديدًا
للأمن القومي الأميركي والمصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة، ما دامت
تستطيع مع حلفائها في المنطقة إبقاء الصراع محصوراً داخل الحدود الجغرافية لسورية.

·توصيف الصراع في سورية على أنه
“حرب أهلية” قد تستمر لفترات زمنية طويلة، ما يفرض ابتعاد الولايات
المتحدة عن الانخراط المباشر، وبخاصة أنّ المعارضة السوريّة وفق النظرة الأميركية
هي معارضة منقسمة ومشتتة، تضم “قوى متطرفة”. ومن ثمّ، فإنه من غير
المؤكد أن تشكل المعارضة السوريّة الحالية حليفًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة في
حال حسم الصراع وسقوط النظام
.

·رفض تسليح المعارضة السوريّة.

وعلى الرغم من أن خيار اقتصار صفقة الكيماوي على نزع وتدمير السلاح
الكيماوي دون التسوية الشاملة للقضية السورية يعتبر الخيار الأكثر رجحانًا حتى
الآن، إلا أن صعوبات عديدة قد تفضي إلى سيناريو أخر ربما يمهد لتسوية في إطار شامل
وفق اتفاق جنيف1، ونذكر أبرز الأسباب التي تمثل صعوبات تعيق الاحتمال الأول، وترجح
السيناريو الثاني:

·تعقيدات الصراع
داخل سوريّة، فالفصائل السورية المسلحة على تشتتها وانقساماتها تعتبر رقمًا صعبًا
في المعادلة الداخلية لايمكن ببساطة تجاهله، كما أن أدوات التأثير الأميركية فيها
ضعيفة جدًا بحكم احجامها وامتناعها الدائم عن تسليح المعارضة.

·عدم قبول قوى
عربية ( السعودية، قطر)، وإقليمية ( تركيا)، ودولية ( فرنسا) باقتصار الصفقة على السلاح الكيماوي. بل على
العكس أبدت بعض هذه الدول انزعاجًا من تراجع الخيار العسكريّ الأميركي، ومن
انتهازية الغرب فيما يتعلق بالمسألة السورية. ونحن نفسر قيام تركيا بإسقاط مروحية
سوريّة قبل أسبوع من الآن ضمن هذا السياق، وذلك لتوجيه رسالة للولايات المتحدة أن
استراتيجية حصر الصراع داخل الحدود السورية لا يمكن أن تستمر طويلاً.

·عدم التوافق داخل
مجلس الأمن، فالممانعة الروسية للفصل السابع ما تزال قائمة، ومن غير المرجح أن يمر
أي قرار في مجلس الأمن تحت هذا الفصل. لذلك تطرح روسيا أن يكون تدمير الكيماوي ضمن
منظمة حظر الأسلحة الكيماوية التابعة للأمم المتحدة، وأن يخرج الغرب بشكل كامل من
المسألة، وهو ما قد تقبله بعض الدول الغربية.

·مناورات النظام:
على الرغم من انفتاحه وتعاونه مع المبادرة الروسيّة، إلا أن النظام قد يمتثل لها
في النهايّة. وقد يعاود النظام أسلوب المناورة بهدف امتصاص ردة الفعل الأولى، ومن
ثم إغراق الأطراف بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل. وقد وجدنا هذا الميل في حديث بشار
الأسد لقناة فوكس نيوز عندما تحدث عن أن تدمير الكيماوي يستغرق سنة كاملة، وأن
نظامه يحتاج إلى مليار دولار للقيام بهذه العملية.. الخ.

جميع هذه العوامل، فرضت على القوى
الكبرى حراكًا للانطلاق من صفقة الكيماوي إلى صفقة أوسع تضمن تسوية كاملة للملف
السوري على أساس اتفاق جنيف1. لا نستطيع التوقع حتى الآن بإمكانية تطبيق هذا
السيناريو في القريب العاجل، لكن المعارضة مطالبة بتفعيله على الأقل، لكي يبقى
الاهتمام الدولي بالثورة السورية في إطارها العام، وأن لا يقتصر على مسألة واحدة.
ويجب الإشادة بالرسالة التي وجهها الائتلاف إلى مجلس الأمن وأعلن فيها قبوله حضور
مؤتمر جنيف 2 شريطة تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات. فهذه
الرسالة الرسمية قد تحرج حلفاء النظام، لاسيما روسيا التي تتذرع بأن المعارضة ترفض
الحل السياسي مقابل موافقة النظام على هذا الحل.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *