ثائر
الزعزوع
يوم الثاني من نيسان
عام 2012 كنت بانتظار أن ينادي الشرطي اسمي في
نظارة القصر العدلي في دمشق، بعد يومين من الانتظار، وشهر من الاعتقال
أمضيتها في زنزانة منفردة في فرع أمن الدولة، ثم يومين في سجن القابون العسكري،
ويومين في سجن عدرا، كانت لائحة اتهاماتي كثيرة، وكبيرة، ناداني من بين السجناء
رجل أشيب الشعر، مبتسماً فاقتربت من القضبان، وأخبرني أن دوري سيحين بعد قليل،
وقال لي: كلنا معك.
بعد ساعتين اقتادني
الشرطي مكبلاً بالسلاسل إلى الطابق العلوي حيث مكاتب القضاة، كان الجميع بانتظاري
في الممر زوجتي أصدقائي خالي كبير السن، والثلاثة الرائعين خليل معتوق ميشيل شماس
وأنور البني، قبل أن ندخل مكتب القاضي همس خليل معتوق في أذني القاضي محترم، دخلنا
هو وأنا مكتب القاضي، كان الرجل جالساً خلف طاولته، وإلى جانبه يجلس كاتبه بدأ
القاضي يسألني وأنا أجيب، نفيت الاتهامات كلها، هز خليل معتوق رأسه موافقاً على
كلامي، وهو ينظر إلى ملامح القاضي الذي بدا متعاطفاً معي وهو يسمع قصتي.
خرجت من مكتب القاضي
الذي قرر إطلاق سراحي، كان الفرح بادياً على وجه خليل معتوق وهو يعانقني، ويخرج
مثل طفل مبشراً الواقفين بانتظاري، في مشهد خبره الكثيرون غادرنا القصر العدلي
ضاحكين، لا أدري لماذا، أذكر أن أنور البني حذرني من العودة للعمل في الإعلام
الحكومي، ودعنا المحامين الثلاثة الرائعين، الذين يعرفهم جميع من خبروا تجربة
الاعتقال في سجون النظام ومعتقلاته.
مرت أيام واتصل خليل
معتوق ليطمئن عليّ، اتفقنا على لقاء في مقهى الحجاز، وركضت إلى اللقاء ركضاً، كان
جالساً بانتظاري اعتذرت بسبب تأخري، لكنه ضحك وقال أنت لم تتأخر أنا جالس هنا منذ
ساعتين، تحدثنا عن كل شيء، حدثني عن والدته التي تحلم بأن يزول النظام، تحدث بحزن
عما تشهده سوريا، كان يبحث عن طريقة لمساعدتي، لم يقتصر عمله على وقفته إلى جانبي
في المحكمة لكنه قرر أن ينقذني من العودة إلى ذلك الجحيم، هكذا وصف المعتقل، وهو
الذي خبره مرات ومرات، طلب مني أن أزوده بكافة الأوراق كي يساعدني في رفع دعوى ضد
وزارة الإعلام التي فصلتني من عملي بعد اعتقالي بأسبوع تقريباً، كان ملحاً، قال لي
لا تستلم لهم، حاربهم، ابحث عن أي أداة كي تؤرق نومهم، كان واثقاً أن النظام
سيزول، لكن الأمر يحتاج وقتاً، وعلينا جميعاً أن ندفع أثماناً باهظة، لأننا سمحنا
لعصابة مافيا أن تتحكم بنا، وتصادر منا حريتنا وحقوقنا.
أعجبني غضبه كثيراً،
اتفقنا على لقاء جديد بعد أسبوع، كنت خلاله أبحث عن مخرج بعد أن وجدت نفسي ملقى
على قارعة طريق بانتظار أن ينقض عليّ رجل أمن ويعتقلني مرة أخرى، كما حدث من قبل.
في لقائنا الثاني
شجعني خليل معتوق على السفر، قال لي سافر واكتب، النظام تقتله الكتابة، افضحوه،
“انشروا عرضه”، لم أستشر أحداً في موضوع سفري سواه، ولكنه طلب مني أن
أنتظر منه اتصالاً كي يتأكد بأن اسمي ليس موضوعاً على قوائم الممنوعين من السفر،
لأني أنتظر حكماً لم يصدر بعد.
مرت أسبوعان كنت
خلالهما أتواصل مع خليل معتوق عبر الهاتف، وأرتب أمور سفري، وفي صباح أحد الأيام
وصلتني منه رسالة نصية مفادها، الأمور ماشية. وفعلاً سافرت…
ظللنا على تواصل دائم
عبر الانترنت، كنت أكتب كلمات قليلة أطمئن على أحواله وعلى وضعه الصحي، وهو يبدو
قوياً وغاضباً دائماً، بوجهه الهادئ، وابتسامته التي لا تفارق محياه.
يوم الثالث من تشرين
الأول أكتوبر عام 2012 اعتقلت قوات النظام خليل معتوق، واقتادته إلى مكان غير
معلوم، مر خبر اعتقاله سريعاً، ربما ليوم أو يومين في أحسن الأحوال، وبقي ميشيل
شماس المحامي الرائع حريصاً كل يوم على تذكير الناس عبر صفحته على الفيس بوك بخليل
معتوق، المحامي الذي دافع عن الكثيرين، بينما إعلام الثورة لا يكاد يتذكر اسم
الرجل، وكان مفروضاً أن تنظم حملات متواصلة للمطالبة بإطلاق سراح محامي الحرية،
فكيف لإعلام يسمي نفسه إعلام الثورة، وينسى أن يدافع عن أحد محامي الثورة، ورموزها
الأحرار..
لم يدافع خليل معتوق المحامي
عن معتقلي ثورة الكرامة فحسب، بل إنه انشغل منذ بداية عمله القانوني بالدفاع عن
كافة المعتقلين السياسيين، ومعتقلي الرأي، وحتى أولئك الذين يختلف معهم سياسياً أو
فكرياً، وقد نال نصيبه من الاعتقال مرات ومرات، قارع نظام الطاغية الأب بصوته
الحر، ولم يقبل ألعوبة الطاغية الابن.
كم معتقل كان وجه
خليل معتوق أول وجه يبصره وهو يغادر زنزانته، الكثيرون، الكثيرون. يا إعلام الثورة
تذكروا خليل معتوق…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث