الرئيسية / منوعات / منوع / أبو جهاد الحمصي: جدو الحارة

أبو جهاد الحمصي: جدو الحارة

لارا المحمد

ككلّ
الوجوه العابرة من مدينته التي لم يترك منها القصفُ سوى وجعٍ تراكم فوق أرصفتها،
وخلف نوافذها المشرّعة يومياً للموت. ككلّ الحالمين هنا بالعبور إلى السماء بحثاً
عن خلاصهم الأخير من أجل الحياة، وككل من يحملونَ كسرة الأمل ليستمروا رغم الحصار،
حمل عكّازه كبوصلةٍ كانت ترشده إلى الطريق كلما ظنّ أنه تاه عنه، يخرج كلّ صباح
وهو يتقفى بقايا خطوات الذين مرّوا من هنا، يحاولُ جاهداً أن يطوف بكلّ الحواري
القريبةِ من مرمى روحه، وأن يرمي السلام على كلّ البيوت الخاوية من ذكرياتها،
يتفقد أصحابها في قلبهِ واحداً واحداً، خشيةَ أن ينسى أحداً منهم على غفلة من عمره
المنسيّ الآن في الدم والركام والقهر. أبو جهاد الحمصي، الملقّب ب/جدو الحارة/، والذي
كان دكّانه الصغير مكاناً رحباً لاجتماع /ختيارية حارة كرم الزيتون/ قبل الثورة،
ومن ثمّ محفلاً انطلق منه عشرات الشبان إلى مظاهراتهم السلمية مع انطلاقة الثورة
في حمص الأبية. وملتقى لهم اختبؤوا على سقيفته مراراً إما هرباً من ملاحقة الشبيحة
لهم، وإما ليرسموا أفكارهم وينضدوها لما سيقومون به. ولطالما كان أبو جهاد رفيقهم
في رحلة الصمود والحريّة. وكثيراً ما كان يسهر معهم ويساعدهم في أعمالهم. يصنع لهم
شايه المميز بنكهة القرفة والنعاع، يمازحهم ويخفّف عنهم آلامهم، ويقوّي عزيمتهم .
هو الذي دفع بأولاده وأحفاده ليلتحقوا بركب الثورة، ويحملوا همها وأملها معه ومع
أبناء حمص في قلوبهم وأرواحهم. كم من المرات قام بها جدو الحارة بتمرير الطعام
والأدوية إلى أحياء حمص القديمة، عبر ممرات ضيقة قديمة لا يعرفها سوى القدامى
المعتقون من أهالي حمص العدية، معرضاً حياته في كل مرة للهلاك المؤكد لولا رحمة
الله به. أبو جهاد اليوم وضع كرسيه الخشبي بجانب مقبرة عائلية جمعت رفات أولاده
وأحفاده الذين خطف القصف الغادر حياتهم وأحلامهم ببلد حرٍّ آمن. هنا يجلس من
الصباح حتى غياب الشمس، وكأنه ينسج ما تبقى من وجوههم المختبئة في الذاكرة ملاءةً
له تقيه برد وحدته ووجعه. على صدر علّق صورهم جميعاً يستأنس بهم مع وحشته القبيحة
في مكانٍ خاوٍ بارد من كل أرواحهم التي كانت تضجّ حوله لتملأ سنينه التي شابت
بحبهم فرحا على فرح. لا ينتبه أبو جهاد اليوم للمارة حوله، أو للأشخاص الذين
يزورون قبور أحبائهم، هو غارقٌ في الحزن والألم مع صور أبنائه وأحفاده، يرفض
الحديث مع من يقترب منه إلا إذا تحدث معه الآخرون عن أولاد وأحفاده، وعن ذكرياته
القديمة في دكانه الذي لم تبقَ منه سوى حجارةٌ في المكان كشاهدةٍ على ما مرّ من
هنا. أبو جهاد يقلّب في الصور المعلّقة على صدره، يتحسسها واحدةً واحدة، ويحبسُ
غصته بين أضلاعه التي هشمها الأسد بطغيانه ووحشيته. 

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *