سارة مراد
في ظل دمار المؤسسات والمدارس المسؤولة عن دعم ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين تضاعفت أعدادهم خلال السنوات الماضية بسبب القصف والمعارك، وتناسي المنظمات الإغاثية والإنسانية لضرورة رفد هذه الفئة من السوريين بالعلاج الجسدي والنفسي الملائم، أمسى آلاف السوريين ضحايا لليأس والمرض والعطالة، وتناقصت إمكانية دمجهم في المجتمع بالشكل الصحيح، وبات جل أمانيهم يتلخص بكرسي متحرك وحبة دواء وطبق من الغذاء يبقيهم على قيد الحياة.
يعيش السوريون ممن سلبتهم الحرب إحدى أطرافهم ويعانون من إعاقة جسدية أو عقلية دائمة ظروفاً قاسية في الداخل السوري، فأغلبهم يواجه صعوبات مادية، علاوة على الصعوبات الجسدية والنفسية التي فرضها عليهم القصف المستمر، وغياب الأمن وسرقة المساعدات المقدمة لهم في حال تواجدها بين الحين والآخر.
عمر،20 عاماً، أحد مقاتلي الجيش الحر، بترت ساقاه بعد تعرضه لشظايا قذيفة سقطت بالقرب منه، يعاني من صعوبات نفسية وجسدية، فهو لا يستطيع الحراك بدون مساعدة أهله، يقول: “لم أكن أعرف أن حياة المعاقين صعبة هكذا. أشعر بالأسف لحالي فأنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً وحدي دون مساعدة أحد من أهلي، حتى دخول الحمام”. ويضيف بحسرة: “لا أستطيع شراء كرسي أو أطراف صناعية لأنني لا أملك المبلغ اللازم لذلك. أتمنى أن أحصل على أطراف صناعية تساعدني في عيش حياتي بشكل أسهل”.
أما سامي الرشيد فقد كان أوفر حظاً، حيث باعت والدته مصاغها الذهبي لتشتري له أطرافاً صناعية تساعده على الحركة. يقول لـ”صدى الشام”: “الحصول على أطراف صناعية يكلف قرابة 400 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ كبير لا يملكه أغلب المعاقين. عانيت من حالة نفسية سيئة جداً، كنت أتمنى الموت كل يوم”. ويقول ساخراً: “الأطراف الصناعية ليست كالحقيقية إلا أنها أفضل من لا شيء. تدربت كثيراً حتى تعودت على السير بها، أعمل الآن على بسطة لبيع الملابس وأجني ثمن طعامي”.
لا تتوقف المشاكل التي تواجه ذوي الاحتياجات الخاصة على توفر الأدوات والأطراف المساعدة، بل تتعداها لحالات أكثر تعقيداً كتوفير الأمان والعلاج النفسي والدواء والغذاء
ولا تتوقف المشاكل التي تواجه ذوي الاحتياجات الخاصة على توفر الأدوات والأطراف المساعدة، بل تتعداها لحالات أكثر تعقيداً كتوفير الأمان والعلاج النفسي والدواء والغذاء للذين يعانون من إصابات دماغية وغيرها من تعطل للوظائف الحيوية، في ظل تردي الوضع الاقتصادي لمعظم السوريين وانتشار العطالة والفقر وغياب الأدوية الضرورية اللازمة لعلاجهم.
تشير أم عمران إلى أن وضع ابنتها الصغيرة التي تعاني من شلل دماغي بات أسوأ بكثير مع غياب الأدوية التي تسكن آلامها، وتؤكد أنها في السابق كانت تحصل على بعض الدعم من جمعية خيرية توقف عملها مع الحرب، وتقول: “زوجي عاطل عن العمل، وابنتي بحاجة للحليب والغيارات والأدوية. نحصل على مساعدات من الناس من فترة لأخرى، ولكنها غير كافية. آمل أن يكون الفرج قريباُ، وأن تتذكرنا إحدى الجمعيات وتقدم لنا الدواء والغذاء”.
بدورها، تنوه المرشدة الاجتماعية صباح كحيل، إلى أن حرمان الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من التعليم لغياب الكوادر التدريسية والمدارس المختصة، سيخلف آثاراً على الأطفال يصعب علاجها. تقول لـ “صدى الشام”: “يحتاج الطفل ذو الاحتياجات الخاصة لأن يشعر بالثقة بقدراته وأن لديه ما يقدمه للآخرين، وذلك يكون غالباً بأسلوب تعليمي يزرع في الطفل حبه لنفسه ويساعده على الاندماج في المجتمع”. وتضيف: “سيخسر المجتمع قدرات هؤلاء الأطفال وطاقاتهم كنتيجة لإهمالهم وعدم رعايتهم”.
أحمد، الذي لم يتجاوز الـ 10 أعوام، لم يستطع أن يكمل تعليمه في المدرسة بعدما فقد بصره، وذلك لتردي وضع التعليم في المدارس وغياب المدرسين المختصين والمنهاج الملائم له، يقول: “ترجت أمي المدير ليقبلني في المدرسة، ولكنه رفض لأنني أعمى”.
وفي سياق آخر، ونتيجة لتفاقم المأساة وتزايد أعداد ذوي الاحتياجات الخاصة في الغوطة الشرقية خاصة، وفي سوريا عامة، كان لا بد من تشكيل رابطة تعنى بشأن هذه الفئة المنسية وتقدم المساعدة والعون لهم. ولذلك قام مجموعة من الشباب السوريين من ذوي الاحتياجات الخاصة، وبرعاية من مجلس محافظة ريف دمشق، بتأسيس أول رابطة لذوي الاحتياجات الخاصة في الغوطة الشرقية. وفي تصريح لـ”صدى الشام”، أشار الأستاذ يوسف أبو نبيل، رئيس الرابطة، إلى أن “الرابطة عبارة عن مؤسسة تشمل خدماتها أصحاب الإعاقة الجسدية الدائمة الحركية والبصرية والسمعية والذهنية، وتعمل على تأهيلهم ورفع مستواهم التعليمي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، وتوفير فرص العمل المناسبة لهم لإكمال حياتهم والاندماج في المجتمع. كما تقوم الرابطة بتقديم المساعدات الطبية لهم من أجهزة ومعدات تساعدهم على إكمال حياتهم بشكل أقرب للطبيعي. ويتم ذلك تبعاً لمبدأ التساوي في التوزيع، حيث توزع المعدات السابقة وفقاً لدرجة إعاقة الشخص ووضعة الاقتصادي والمعيشي. أما الحالات التي تحتاج إلى عناية صحية، فتقوم الرابطة بمراسلة المؤسسات الطبية في الغوطة وخارجها، لتقدم العون والرعاية المطلوبة”.
ويؤكد أبو نبيل أن “الكادر الإداري في الرابطة من أصحاب الكفاءات من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأن عملهم تطوعي بشكل كامل فهم لا يتقاضون أي أجر، نظراً لعدم وجود داعم رسمي للرابطة”. وينوه إلى أن “الرابطة مؤسسة مستقلة تعتمد في مواردها على المتبرعين والجمعيات الإغاثية والمؤسسات الخيرية الداخلية منها والخارجية”.
رابطة ذوي الاحتياجات الخاصة في الغوطة مؤسسة مستقلة تعتمد في مواردها على المتبرعين والجمعيات الإغاثية والمؤسسات الخيرية الداخلية منها والخارجية
وحول أهم الصعوبات التي تواجههم في عملهم، قائل أبو نبيل إن “الحصار المفروض على الغوطة منذ أكثر من عامين، إضافة إلى ضعف الإمكانات المتوفرة ضمن الغوطة، يصعّب العمل علينا كثيراً. ولكننا مع كل الصعوبات سنمضي في تحقيق أهداف الرابطة”. وعن إمكانية توسيع عمل الرابطة لتشمل مناطق أخرى سورية، قال: “نأمل أن يلاقي مشروعنا الدعم المناسب، وأن يتوسع ليضم كافة المناطق والمحافظات السورية في المستقبل القريب”.
تعد الرابطة أولى الخطوات الإيجابية لتسليط الضوء على معاناة هذه الفئة من السوريين. لكن الهدف الأكبر المطلوب هو أن تقوم الحكومات والجهات المانحة ووكالات الإغاثة الإنسانية بدورها في دعم هذه الجمعية وغيرها لحماية المعاقين وتأمين احتياجاتهم الصحية والنفسية والمادية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث