ثائر الزعزوع
في الثلاثية السينمائية العراب، التي أخرجها فرانسيس فورد كوبولا مقتبسة عن رواية العراب لماريو بوزو، أعجب الجمهور كثيراً بعائلة المافيا كورليوني، بسبب الأداء الاستثنائي للنجوم الذين قاموا بأداء الشخصيات؛ مارلون براندو، روبيرت دو نيرو، وآل باتشينو. وعلى الرغم من حجم الإجرام الذين ارتكبوه، وحجم الأذى الذي سببوه للكثيرين، إلا أن الجمهور لم يستطع أن يكره “مايكل كورليوني” مثلاً، وهو يأمر بقتل شقيقه الذي خانه، ولا بتصفية زوج شقيقته لخيانته أيضاً. وقد حذر الكثير من النقاد السينمائيين من أن تكرار مثل هذه الأعمال سيحول المجرم إلى شخصية محبوبة، وسيحول العدالة إلى فعل مكروه، لأنها ستنتصر في النهاية كما هي العادة في الأفلام السينمائية. طبعاً في حالة كورليوني، كانت عدالة السماء هي التي انتصرت، وقد تعاطف الجمهور مع مايكل وهم يرونه حزيناً منكسراً بعد أن قتل ولده الذي كان بعيداً عن أجواء العائلة، ولم يكن منخرطاً في نشاطها الإجرامي. وقلما خلت الأفلام التي تتحدث عن “مجرمين” كبار من لحظات يشعر المتفرج بأنه متعاطف مع تلك الشخصية، بسبب شهامته مثلاً أو وسامته، أو طريقته في الكلام، مثل جوني ديب أو براد بيت، بل وحتى في شخصية الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كان ثمة الكثير من الجمهور من هو متعاطف معه، لا بسبب مواقفه أو شعاراته، وما إلى ذلك، ولكن بسبب حالته الشعبية، وقربه من الجماهير، وخاصة البسطاء من الناس فهو يتكلم مثلهم، ويشاركهم أفراحهم، ولا يمانع من تناول الطعام معهم في بيوتهم الفقيرة، أياً يكن ذلك الطعام. وقد حرص الإعلام على إظهاره بتلك الصورة الشعبية. وبالمقابل، فقد كرهوا ولده الأكبر عدي، الذي كان يبدو مستهتراً فاشلاً. لكن في حالة آل الأسد، وهم مجموعة من القتلة لا يختلفون عن سواهم، ما هي الميزات التي قد تجعل أحدا يتعاطف معهم مثلاً؟
فإذا أخذنا حالة الأب، والذي هو العراب الكبير لعصابة المافيا التي تسلطت على رقاب السوريين، ما هو المميز في شخصيته صراحة، هل هي وسامته؟ الرجل لم يكن وسيماً. هل هي طريقته في الكلام؟ بالطبع لا لأنه كان ثرثاراً متعالياً يخاطب الناس وهو يوجههم، ولم يكن يقبل أن يتحدث إلا كعسكري يصدر الأوامر. ويقول الكثير ممن عاصروه بأنه كان جدياً ولا يحب المزاح، حتى في مجالسه الخاصة. إذاً هو الكرسي الذي كان يجلس عليه بالقوة والحديد هو الذي كان يجعله مميزاً، والمعتقلات الكثيرة التي أقامها، والخوف، نعم كان الخوف هو سلاحه الوحيد، فالناس لم تحبه يوماً لكنها كانت تخاف منه، وكانت تخاف وصول أجهزته الأمنية إلى أي إنسان قد يضمر كراهية له، حتى إن كانت سراً بينه وبين نفسه. والآن لنأتي إلى ولده، الذي اكتسب وبجدارة ومنذ اليوم الأول لاستيلائه على السلطة لقب الثرثار، وهو شخص غير متوازن يقوم بأكثر من ثلاثين حركة لا إرادية، ولا يجيد التحدث، وهو مرتبك، متلعثم، وهو يسير بطريقة سخيفة، ولا يصلح لإدارة مدرسة ثانوية لأن الطلاب سيحولونه إلى مسخرة بسبب تلعثمه الدائم، وشخصيته المهزوزة. إذاً فالسبب مرة أخرى يعود إلى الكرسي الذي أجلس عليه. ولمن يتذكر مشاهده الأولى في ذلك اليوم المشؤوم حين أدى القسم، سيعلم أي مصيبة ابتلينا بها. المذكور وُصف منذ بداية الثورة بمعتوه القرداحة، ثم تحول بعد ذلك إلى مختار حي المهاجرين، مشهور عنه بأنه يحب ألعاب البلاي ستيشن، وهو لا يمانع إن تلقى التصفيق المناسب أن يتحول إلى مهرج ويلقي النكات مهما كان الأمر خطيراً. وقد وقف في مجلس الشعب مهرجاً حين كانت سوريا تشهد بداية ثورة، وضحك عليه أعضاء مجلسه وهو يقهقه بتلك الطريقة. ولو أردنا تحليل الأمور من ناحية مختلفة، وإزاحة عامل الخوف والرعب جانباً، لوقفنا أمام الحقيقة نفسها؛ فالجمهور كان يستمتع بتلك الكوميديا الرخيصة التي يقدمها، وكان يضحك من سخافة الحالة التي وصلت إليها سوريا.
في مشهد تلفزيوني شهير، يقول الإعلامي الجزائري الذي يعمل في قناة الميادين الإيرانية يحيى أبو زكريا، والذي كان ضيفاً بصفته مفكراً على الفضائية السورية، وهو يحاول شتم أمير قطر السابق: “إن كل طويل لا يخلو من الهبل”… وفجأة يتذكر أن المذكور طويل، فينعقد لسانه، يتلعثم، ويستدرك بطريقة مضحكة: “إلا السيد الرئيس، لأنه مختلف”.. أليس هذا نموذجاً صارخاً عن الخوف؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث