أحمد حمزة
تسعى المملكة العربية السعودية، عبر مؤتمر الرياض، وهو المؤتمر غير المسبوق لجهة تمثيله الواسع لمختلف الأطياف والجهات السياسية والفصائل العسكرية، إلى إيجاد صيغة توافقية يتم خلالها الخروج بوفد موحد يمثل المعارضة السياسية في أي اجتماعات واستحقاقات سياسية قادمة(سيما اجتماع نيويورك في الثامن عشر من هذا الشهر). إذ أن المؤتمرات السابقة التي سعت لإيجاد حل سياسي في سورية، عابها عدم وجود ممثلين عن مختلف القوى، لا سيما العسكرية منها.
تسعى المملكة العربية السعودية من خلال مؤتمر الرياض، إلى إيجاد صيغة توافقية يتم خلالها الخروج بوفد موحد يمثل المعارضة السياسية في أي اجتماعات واستحقاقات سياسية قادمة.
ويأتي مؤتمر الرياض، بعد جهود دبلوماسية وسياسية عديدة، بُذلت من أجل وقف المعارك على الأرض، والتوصل إلى حل سياسي، تعثر سابقاً.
وفي هذا السياق، يعتبر مؤتمر جنيف الأول، الذي تم عقده بغياب أي شخصية سورية في حزيران 2012، من أبرز الاجتماعات الدولية التي حاولت التوصل إلى حلٍ للقضية السورية، وعُقد حينها برعاية الأمم المتحدة والمبعوث الدولي العربي كوفي أنان، ونص على وجوب تشكيل حكومة انتقالية تملك كامل الصلاحيات التنفيذية. ويمكن للحكومة الانتقالية أن تضم أعضاء في الحكومة الحالية والمعارضة، وستشكل على قاعدة التفاهم المتبادل بين الأطراف، مطالباً “الحكومة السورية أن تسمي محاورا فعليا عندما يطلب المبعوث الدولي ذلك، للعمل على تنفيذ خطة النقاط الست والخطة الانتقالية”.
كما تحدثت الوثيقة التي أبرمت وقتها، على أنه من الواجب “أن تُمكن جميع مجموعات وأطياف المجتمع السوري من المشاركة في عملية الحوار الوطني” و “من الممكن البدء بمراجعة للدستور، إضافة إلى إصلاحات قانونية”، وبنود أخرى بهدف “وضع حد لإراقة الدماء. وعلى كل الفرقاء أن يجددوا دعمهم لخطة النقاط الست التي قدمها كوفي أنان، خصوصا وقف إطلاق النار واحترام بعثة مراقبي الأمم المتحدة والتعاون معها”.
لكن كوفي عنان قدم استقالته بعدذلك بنحو شهرين، وقال إن “تصاعد العسكرة على الأرض وانعدام الإجماع في مجلس الأمن الدولي غيرا دوري بشكل جذري”. مشيراً إلى أن “بشار الأسد سيضطر للرحيل عاجلا أم آجلا”، وقائلاً:”أنا ما زلت قلقا بشأن مصير السوريين، وما زال من الممكن إنقاذهم”.
بعد ذلك بنحو سنة ونصف، وفي الشهر الأول من سنة ألفين وأربعة عشر، عُقد مؤتمر “جنيف2” في سويسرا، بحضور وفد من النظام، ترأسه حينها وزير خارجيته وليد المعلم، ووفد من المعارضة، تزعمه رئيس الائتلاف الأسبق أحمد الجربا. ثم عُقدت في الشهر التالي نسخة ثانية من “جنيف 2”.كلا النسختين عقدتا برعاية دولية وأممية، إذ أن الأمم المتحدة كانت قد فوضت الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، كمبعوثٍ خاص لسورية، لكنه قدم استقالته في أيار/مايو من نفس السنة، بعد فشل اجتماعات جنيف.
بعدها تم تعيين ستيفان ديمستورا كبعوثٍ أممي إلى سورية، وهو دبلوماسي دولي من مواليد السويد، ويحمل كذلك الجنسية الإيطالية، وعقد سلسلة اجتماعات مع المعارضة والنظام، قبل أن يتوصل لفكرة إنشاء “مناطق مجمدة القتال”، على أن تبدأ من حلب. وهي مبادرة تحفظت المعارضة على حيثياتها، خاصة إن النظام أبدى ترحيباً “مؤقتاً” بها.
وبقيت محاولات ديمستورا السياسية تراوح ما بين شد وجذب، إلى أن بدأت موسكو في أواسط أيلول/سبتمبر، بنقلِ قواتٍ عسكرية إلى سورية، قبل أن تبدأ في الثلاثين من ذاك الشهر، بتنفيذ غاراتٍ جوية على مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية.
هذا التطور، دفع بأهم اللاعبين الإقليمين والدوليين لعقد اجتماع رباعي(سعودي-تركي-روسي- أمريكي) في العاصمة النمساوية فيينا، تلاه اجتماع مماثل، بعد توسيع قائمة الدول المشاركة، وجميعها معنية بالملف السوري، إذ عقدت النسخة الثانية لـ”فيينا” في الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
كرس هذا الاجتماع أزمة الثقة بين الأطراف الدولية والإقليمية، على الرغم من التوصل إلى تسعة بنود اتفاق، أقر بها الحاضرون، لكن مصير رأس النظام بشار الأسد بقي نقطة خلافية حادة.
كرس الاجتماع الرباعي إلى تكريس أزمة الثقة بين الأطراف الدولية والإقليمية، على الرغم من التوصل إلى تسعة بنود اتفاق، لكن مصير الأسد بقي نقطة خلافية حادة
وتم الاتفاق في فيينا على أن “وحدة سورية واستقلالها وسلامة أراضيها وهويتها العلمانية أمور أساسية”، و”مؤسسات الدولة ستظلّ قائمة”، و”حقوق كل السوريين يجب حمايتها بصرف النظر عن العرق أو الانتماء الديني”، و”ضرورة تسريع كل الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب”، و”ضمان وصول المنظمات الإنسانية لكل مناطق سورية. وسيعزز المشاركون الدعم للنازحين داخلياً وللاجئين وللبلدان المستضيفة”، و”الاتفاق على ضرورة هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وغيرها من الجماعات الإرهابية، كما صنفها مجلس الأمن الدولي واتفق عليه المشاركون”.
كما تنصّ البنود على أنه و”في إطار العمل ببيان جنيف 2012، وقرار مجلس الأمن الدولي 2118، فإن المشاركين وجّهوا الدعوة للأمم المتحدة إلى جمع ممثلي الحكومة والمعارضة في سورية، في عملية سياسية تفضي إلى تشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية، على أن يعقب تشكيلها وضع دستور جديد وإجراء انتخابات. وينبغي إجراء هذه الانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة بموافقة الحكومة، وبالتزام أعلى المعايير الدولية للشفافية والمحاسبة، وأن تكون حرة نزيهة يحق لكل السوريين، ومنهم المغتربون، المشاركة فيها”.
وتفيد البنود بأن “سورية هي التي تملك وتقود هذه العملية السياسية، والشعب السوري هو من يحدد مستقبل سورية”، و”المشاركون ومعهم الأمم المتحدة، سيدرسون ترتيبات وتنفيذ وقف لإطلاق النار بكل أنحاء البلاد، يبدأ في تاريخ محدد وبالتوازي مع هذه العملية السياسية الجديدة”. ويخلص بيان فيينا إلى أن “المشاركين سيعكفون في الأيام المقبلة على تضييق هوّة الخلافات المتبقية والبناء على نقاط الاتفاق. ويجتمع الوزراء خلالأسبوعين لمواصلة هذه المباحثات”.
وضمّ هذا الاجتماع كلاً من الولايات المتحدة وروسيا والصين ومصر وفرنسا وألمانيا وإيران والعراق وإيطاليا والأردن ولبنان وعُمان وقطر والسعودية وتركيا والإمارات وبريطانيا، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، ممثلة بالمبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا.
لاحقا لذلك عُقد “فيينا 3” في الرابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم، إذ تم الإعلان خلاله، عن عملية انتقال سياسية في غضون ستة أشهر، وإجراء انتخابات خلال 18 شهراً، بعد إجراء مفاوضات بين النظام والمعارضة حول آليات التنفيذ.
ويأتي مؤتمر الرياض المنعقد، لمحاولة تحديد وفد المعارضة، الذي يُراد له مفاوضة النظام لاحقاً، وربما يتزامن ذلك أو يأتي عقب الإعلان اجتماعٍ دولي سيعقد في الثامن عشر من هذا الشهر، بحسب ما نقلت أمس الثلاثاء وكالة رويترز، عن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.
ولا يعرف حتى الساعة، ما إذا كان رشح أي قرارات من الرياض، إذ أن المؤتمر الذي من المفترض ان يمتد لثلاثة أيام ما زال منعقداً، حتى صدور هذا العدد من “صدى الشام”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث