عبد القادر عبد اللي
عندما تأسس التحالف الدولي ضد داعش في اجتماع جدّة، كانت تركيا أول الدول التي أدركت بأنه تحالف خلبي ومجرد عمل إعلامي، ورفضت المشاركة فيه دون تحقيق شرطها وهو وضع خطة قابلة للتطبيق لمحاربة هذا التنظيم، لأن الضربات الجوية لن تؤثر كثيراً عليه.
بدا فيما بعد أن هذا الكلام صحيح، فبدلاً من تقديم الولايات المتحدة وحلفائها خطة للقضاء على هذا التنظيم، شنت حملة واسعة عبر صحافتها والصحافة الموالية لها في أوروبا بأن تركيا تدعم داعش، ووصلت الأمور إلى أن يصرح نائب الرئيس الأمريكي بأن تركيا تدعم داعش.
خاض حزب العدالة والتنمية تلك الحرب على جبهات عديدة، فبالإضافة إلى العمل على تقديم تفنيدات الادعاءات الواردة في الصحافة الأمريكية والأوربية، كانت ما تدعى جبهة الممانعة التي تقودها إيران أيضاً تشن أشرس حملة، كما أن المعارضة التركية تلقفت هذه التصريحات، وانخرطت في الحرب الإعلامية بكل ما أوتيت من تقنيات، وحتى إن كثيراً من السوريين المحسوبين على الثورة، ويعادون داعش، كانوا يتلقفون تلك الاتهامات، ويبهرونها، ويساهمون في الحملة الأمريكية ضد تركيا، حتى باتت مجرد محاولة الفصل بين تركيا وداعش كافية لاعتبار من يقوم بهذه المحاولة داعشياً.
بعد فترة استسلمت تركيا أمام هذا الهجوم، والتحالف بين قوى متناحرة ومتحاربة ضدها، وأعلنت رسمياً انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، وفتحت قواعدها لهذا التحالف. هنا توقفت الاتهامات، وحتى إن الصحافة التي كانت تتهم حزب العدالة والتنمية بالداعشية بدأت تنفي أي علاقة بين هذا الحزب وداعش.
هل انتهى الأمر؟ لا، فقد قامت الطائرات التركية بعد مشاركتها بالتحالف الدولي بفترة قصيرة بقصف بعض المواقع لداعش ضمن سورية، واحتجت الولايات المتحدة على هذا القصف الذي تم دون علمها، وتذرعت بوجود عناصر لها كانت قريبة جداً من المواقع المقصوفة.
رضخت تركيا ثانية للضغط الأمريكي، فهي تدرك أن داعش كرة نار لا يمكن اللعب فيها، ولا بد لها من مسايرة الإدارة الأمريكية التي تطلق على نفسها اسم “المجتمع الدولي” في هذه القضية، وانخرطت في العمليات العسكرية الجوية بالخطط الأمريكية.
هنا كانت دائماً ثمة قضية تلوح بها الولايات المتحدة أمام تركيا لكبح أي عملية عسكرية ضد داعش، وتسمي الولايات المتحدة هذه القضية “الحساسية الكردية”. ولم تفلح الحكومة التركية بالفصل بين “الحساسية الكردية” و”حساسية حزب العمال الكردستاني”.
دخول روسيا المعركة في سورية أراح الولايات المتحدة كثيراً في علاقتها مع تركيا، فروسيا تحارب القوى السورية المعادية لداعش، بمعنى آخر هي تقدم دعماً قوياً جداً لداعش تحت اسم محاربة داعش. وبهذا الدخول تحقق التوازن بين الأطراف بحيث لا يستطيع أحد التغلب على أحد، وهذا ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل، ويناقض المصالح التركية والروسية. فروسيا تريد الحسم لصالح الأسد، والإبقاء على قوتين أساسيتين في سورية هما الأسد وداعش، لتقول عليكم الاختيار بين هاتين القوتين، بينما تركيا تريد أن تفرض المعارضة السورية المسلحة نفسها على الأرض، وتحقق تقدماً على الأقل من أجل إجبار النظام على الجلوس إلى مائدة المفاوضات بحالة أضعف.
كانت آخر المحاولات التركية لتشكيل تحالف بري يطهر الشمال السوري من داعش في مؤتمر أنطاليا، ولكن الرئيس الأمريكي رفض الأمر بشكل قاطع، قائلاً: “ماذا نستفيد إذا طردناهم إلى الداخل السوري؟ أو من المنطقة كلها؟ إنهم سيذهبون إلى منطقة أخرى”. الدلالة الواضحة لهذه العبارات أن الرئيس الأمريكي يريد الإبقاء على داعش في سورية، ولا يريد أن يطرد هذا التنظيم منها، وهو مرتاح جداً من هذا الوضع.
بدا الارتياح الأمريكي هذا من خلال تصريحات أخرى كثيرة. فعند إسقاط تركيا الطائرة الروسية، كان من المفروض أن تقف الولايات المتحدة الأمريكية مع تركيا باعتبارهما عضوين في حلف شمال الأطلسي، ولكن الرئيس الأمريكي قالها بكل وضوح: “هذه قضية خاصة بين تركيا وروسيا”.
بطلب من رئاسة كردستان العراق، زادت تركيا حجم “مدربيها” الذي يدربون البشمركة وبعض المقاتلين العرب الذين يقاتلون داعش في محافظة الموصل، وقوّت تعزيزاتها هناك، وسرعان ما طالبت إيران عبر وكيلها في العراق بانسحاب هذه القوات فوراً، ويبدو أن هذا خرق للسيادة الإيرانية. على الرغم من أن هذه القوات دخلت من أجل تدريب عناصر تقاتل داعش، وفي إطار محاربة الإرهاب، فإن التصريح الأمريكي جاء في خدمة المحتل الإيراني لأرض العراق، وقال إن دخول القوات التركية محافظة الموصل لم يتم في إطار قوات التحالف الدولي.
لم يكتف الأمريكان بهذا الأمر، وبعد أن كان المسؤولون الأمريكيون يصرخون بأعلى أصواتهم مطالبين تركيا بدخول التحالف الدولي لمحاربة داعش لما لها تأثير لوجستي وقوة استخبارية على الأرض السورية، فجأة تغيّر الموقف، وطلبت الولايات المتحدة من تركيا رسمياً مؤخراً تعليق غاراتها الجوية على داعش، ولكنها في هذه المرة لم تقدم أي تبرير أو سبب لهذا الطلب.
في البداية قالت الولايات المتحدة لتركيا “تعالي” إلى حرب داعش، وما إن ذهبت، قالت لها “لا تجي” إلى محاربة داعش.
لا تفهموني خطأ، أنا لا أتهم الولايات المتحدة بعشق داعش، أنا أقول إنها تعشق “فيروز” فقط.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث