الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / أسرع كي أصل إليه

أسرع كي أصل إليه

ميسون شقير

لا أدري لماذا؟ لكني منذ اللحظة الأولى التي لبست فيها هذا الحذاء الخاص وحملت هاتين العصوين، وبدأت بالحركة على هذا الجليد الجميل في هذا البلد الغريب، صرت أشم رائحته بقوة كأنه يقرب شفتيه من أذني ويقول “اركضي بسرعة، أسرعي أكثر كي تصلي حريتك كلها”. ها أنا أدفع نفسي بعصيّ التزلج، وأترك للجليد حرية سحبي، وأغمض عيني ليصبح وجهه الآن أمامي، عيناه الواسعتان وشعره العبثي، ملامحه التي جعلتني دائما أراه طفلاً على هيئة رجل.

 

أدفع نفسي أكثر، وصوت المدربة الفرنسية يختلط بصوته “أسرعي، أنت تستطيعين، هيا صيري كما الريح”. أسرع، وأحس كأنه يحملني هناك في الأراضي البرية، ويركض حين كانت الشمس تسرق من السنابل الممتدة على طول الطريق لون غروبها، وحين كان صوته يكتسي بلونها وهو يغني.

 

هذا الجليد البارد تحت قدمي يمنحني دفئا غريبا، يعيد لي صوت المدفأة في بيتنا هناك.

 

أدفع نفسي وأراه يصرخ حين عاد للبيت مرة وهو يلهث، قال: “لقد ركضت أسرع من نمر، ولكني كنت لا أحس بقدمي كأني أتزلج على الجليد، كأني أطير، لقد هتفنا للحرية، هتفنا لأطفال درعا، لكل المعتقلين في زنازين هذه البلاد فقط لأنهم فكروا بشكل حقيقي وصادق. نعم لقد تجمعنا رغما عنهم، ولا أدري من أين جاء هذا العدد وكيف بدأنا وصار بيننا شعور رائع لم أحسه في حياتي أبدا. لقد صرنا كأننا رجل واحد، كأني أعرفهم جميعا منذ زمن، مسكنا بأيدي بعضنا وبدأنا بالهتاف. لم أصدق أن هذا الصوت الطالع من حنجرتي هو صوتي، كأني أسمعه للمرة الأولى في حياتي. كان صوتا حقيقيا، بريئا صارخا، حرا، قويا، عميقا، وكنت أحس أن أصواتنا ملأت السماء كلها. وحين بدأوا بالهجوم علينا، كل منا حاول مساعدة الآخرين. لا أستطيع أن أصف لكم هذا الشعور، لقد ساعدوني على الركض والدخول في حارات الشام القديمة التي لا أعرفها جيدا والتي حمتني. أحس كأني أكتب قصيدة لن تنتهي”.

 

المدربة تناديني وأنا أسرع، لكن وجهه حين دخلنا بيتنا في صحنايا يوما، بيتنا الذي تحول بعد قصف داريا لمستودع للملابس التي نقوم بفرزها وإرسالها للذين لم يعودوا يمتلكون شيئا، بيتنا الذي كان حلم العمر، والذي اشتريناه بعدة قروض، بيتنا الذي دهنه بيده، لون لنا غرفتنا بالأزرق كي تكون كما السماء، فقد كان يكره الأسقف، وجعل جدران الصالون فيه من حجر وخشب كي تكون كما الأرض. دخلناه لنجد كل ما فيه مكسرا، مكتبة أبي وأمي ممزقة، دفاتر شعره محروقة، صورة أمي التي رسمها بيده مخربش عليها كاملا ومكتوب عليها سنقتلك مع أولادك، صار وجهه أسودا، وصارت عيناه حادتين، وأنا لم أفهم كيف يهدد أحد أمي، وهي معلمة الرياضيات التي تحبها كل المدرسة، والتي كنت دائما أفخر أني ابنتها، وألاقي الحسد من كل زملائي على هذه الميزة.

 

المدربة الفرنسية تسلني: “ما بك يا إنانا”، لكن صوت أمي حين ركضت بنا، وأخرجتنا من سوريا التي لم أكن أتخيل أن هناك في هذا العالم بلاد غيرها، وجهها وهي تتوسل إليه “أرجوك يا ناصر، اهرب معنا، أرجوك”، لكنه كان جميلا وهادئا حين قال: “لن أخرج، اذهبوا أنتم كي أصبح أكثر حرية”، وحين بكيت أنا بشدة قال لي: “يا أميرتي، هناك الكثير من الأميرات الصغيرات الآن بدون أم أو أب، ويجب ألا نتركهم وحدهم”. ضمني، رفعني إلى عينه وقال “اركضي دائما يا ابنتي، اركضي كالريح، ولا تخافي أبدا”.

أسرع، أدفع نفسي أكثر، لكني أراه حين جاؤوا إليه وأخذوه من بيتنا، حين ضربوه كثيرا في الشارع، حين قاومهم كالنمر، وكان يصيح حرية، حين أخذوه منذ سنتين، حين أخذوا روحي معه.

أسرع، أحس أني أنفصل عن كل العالم وأني أعود لذراعيه، أسرع أكثر. لقد قال لي “أسرعي كالريح”. هو هناك الآن، تحت الأرض في إحدى الزنازين، لكني أعرف أنه يحس بي.

 

المدربة ولجنة التحكيم تعلن فوزي، وتندهش فرنسا كلها من سرعتي في رياضة لم أعرفها قبل في حياتي، والتي فاقت 40 كيلومترا في الساعة.

وأنا ما زلت أسرع أكثر كي أصل إليه.

 

شاهد أيضاً

فرصة عمل في “ميثاق شرف للإعلاميين السوريين”

المنصب مسؤول تواصل الغرض العام من الوظيفة مسؤول التواصل هو المسؤول عن إدارة موقع الميثاق …

أسعار مواد البناء في إدلب صادِمة و”بالعملة الصعبة”

تعيش أسواق محافظة إدلب خلال فترة اتفاق “خفض التوتر” حالة من الانتعاش الاقتصادي والاقبال على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *