الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / النظام يتهاوى… فهل من دور لليسار؟

النظام يتهاوى… فهل من دور لليسار؟

عمّار الأحمد

ليس الثورة السورية، ردّة رجعية ضد نظام تقدمي، وليس هدفها هدفاً واحداً
أجوفَ، وغير محدد المعالم، كأنّ يقال أنها ثورة حرية، رغم أن هذه المفردة من أكثر
الكلمات استخداماً، بل هي ثورة طبقات مفقرة بالأساس، وتسعى لنيل حقوقها، من حريات
سياسية ونظام ديمقراطي، وسواها، ولكنها وهي تسعى لذلك، فهي تريد، وبالأصل، إيقاف
التدهور الكاسح في حياتها الاقتصادية، والنهوض بحياتها المعيشية، وبدأ الشعب يؤكد
أن من يستطيع ضمان كل ذلك، هو الشعب المفقر نفسه.

وبالتالي وفي الوقت الذي كانت حياة المفقرين تتدهور باستمرار وتتأهب للثورة،
كانت فئات شبابية متعلمة ومفقرة كذلك تتلمس طرق الثورة وأدواتها من خلال تونس
ومصر، وقد غلب على هؤلاء الشباب، النزعة اليسارية، والتركيز على قضية الحرية، والديمقراطية،
والعدالة الاجتماعية بدرجة ما، بينما كانت الطبقات الشعبية، تطالب بحقوقها
الاقتصادية والتخلص من الفساد والنهب ومن رامي مخلوف ومن وراءه، أقصد الطغمة
الحاكمة؛ تلمس اليساريون– ماركسيون وليبراليون من أصول يسارية سابقة- الثورة،
وانخرطوا فيها، في كل سورية، وكانوا شرارتها الأولى، ولكن النظام المتابع لهذا
الموضوع بالتحديد، يعرف هذه القضية، وتنبه إلى أن هذه الثورة ثورة شعبية وعميقة،
وليست فقاعة أو رجعية، فاعتمد ومنذ اليوم الأول، على الاعتقال الشديد، والتعذيب
المبرح ولاحقاً بدأ عملية قتل منهجي، وأخيراً طرد أغلب من بقي حياً، إلى خارج
الحدود، وبالتالي دفع اليساريون ثمناً باهظاً طيلة عام 2011 والنصف الأول لعام
2012، وباستمرار الثورة، تكرس الجانب العسكري، وهنا دخلت القوى الطائفية الرجعية
على خط الثورة، وتكرس تدخل الخارج الإقليمي والعالمي في الثورة، سيما وأن التشكيل
الأول الذي ادعى تمثيل الثورة- أي المجلس الوطني- كان تنظيماً سياسياً طائفياً (الإخوان
المسلمين)، وبمساعدة قطرية وتركية وفرنسية مباشرة وبمباركة أمريكية، وقد كانت
المساعدة والمباركة من أجل الهيمنة على الثورة ضد النظام، وحرفها نحو سياق يخدم
مصالح تلك الدول. أي أن تصبح ثورة مضادة لأصلها الشعبي.

في هذه الأجواء، بدأت مشكلات كثيرة تقف أمام الثوريين اليساريين الأوائل؛
حيث انهار وضعهم الاقتصادي تماماً، وطرد معظمهم خارج البلاد، سيما وأنهم لم يشكلوا
حالة سياسية حزبية بقدر ما شكلوا ائتلاف أفراد أو في كثير من الأحيان أفراداً مستقلين،
ولعبوا دوراً في بداية الثورة.

إن تطور الثورة وظهور دور المجتمع المحلي والسلفية الدينية فيها حدّ من
نفوذهم وبدأ دورهم يخفت، فالثورة تتطلب درجة عالية من البراغماتية والإيمان الديني
بسبب طبيعة المعركة العسكرية والهمجية، سيما وأن النظام أدخل المجتمع بالعسكرة من أبوابها
الواسعة، وبالتالي أصبح الطلب على السلاح أساسي والطلب على الإيمان كذلك عالياً،
وهذا مما يتطلب تعاملاً من دول الإقليم، سيما قطر والسعودية وتركيا، وكل القوى
الدينية القادرة على الدعم، وهو ما يَفشل فيه اليساريون؛ فهم تيار منفتح على
العالم، ويعرف حقائق الصراع جيداً ولكنه لا يستطيع الدخول بلعبة المساومات
والتبعية إلى حدودها القصوى؛ وهنا لا أتكلم على القوى الليبرالية داخل المجلس
الوطني، ولا الائتلاف الوطني، أو هيئة التنسيق، بل على كافة الأفراد والتجمعات
خارج هذه الأطر؛ فقد أصبحت الأطر السياسية المشكلة، بحكم التابعة لدول عظمى
وإقليمية.

إذن، المجموعات الشبابية اليسارية، تمّ تحييدها، منذ النصف الثاني من عام
2012 ولاحقاً، وهذا واقع موضوعي، ولكن ومنذ الشهر الخامس لعام 2013 بصورة رئيسية،
وقبل ذلك جزيئاً، بدأ الطلب الشعبي من جديد يزداد على المجموعات اليسارية من جديد.
ولن نهتم هنا، للمجموعات التي دخلت بإحباط عال من جراء شعورها بالهزيمة بعد خروجها
من سورية، لأسباب متعددة. إنها روح أنانية، لا تفيد بشيء سوى بزرع الإحباط. إذا
بدأ الطلب على تلك القوى مع بداية التمرد ضد جبهة النصرة والدولة الإسلامية،
والنقد المتكرر للمجلس الوطني ولاحقاً للائتلاف الوطني، ولمختلف المجالس المحلية
التي تمّ تسييسها، وبعضها عيّن من خارج الحدود، وفشلت، وبالتالي في هذه المرحلة لم
يستطع اليساريون ملء الفراغ الجديد، ورغم محاولات قوى يسارية ويساريين الدعوة لتشكيل
قيادة جديدة للثورة فإنهم فشلوا في الحشد لها، رغم أن الفكرة طرحت من اتجاهات
متعددة في الثورة، وتطرح في 2013 بقوة، ولم تنجح إلى الآن.

الآن ومع زيادة تحطم النظام ومع تحطم قوة حزب الله وإيران وروسيا في سورية،
ومع تزايد النقد للاتجاهات الطائفية الرجعية، فإن الواقع يفترض دوراً للقوى
اليسارية والليبرالية، دوراً سياسياً حقيقياً، يتجاوز الثرثرة عن ضرورة إسقاط
النظام فقط، فهذه في صيغتها المطروحة، ليس مجال جدل، بل المطلوب الآن، ومع الدلائل
الكبيرة بدخول سورية مرحلة انهيار النظام، أقول تتطلب من تلك القوى ترك خلافاتها الإيديولوجية
والسياسية بل والشخصية، وسواها، والسير نحو كتلة جديدة؛ تسمح بطرح البرنامج
الضروري لما بعد مرحلة إسقاط النظام، ولكن على أن يتم طرحها بروح وطنية، وبرؤية
لمشكلات الثورة ككل، وحصر النظام في إطار كونه نظاماً شمولياً همجياً ودموياً، ولا
بد من إزالته، بعيداً عن الرؤى الطائفية أو بعيداً عن وصفه بالطائفية، لأنها صفة
كاذبة، وصادرة عن تعميم سياسي ضيق ومحدود لحشد القوى ضد النظام، فهو نظام شمولي
همجي، وظف الطائفية من أجل الحشد لمعركته ضد الشعب، لا أكثر ولا أقل، واستطاع بفضل
غباء المعارضة المنقطع النظير تقديم الثورة كثورة للطائفة السنية وتقديم نفسه
كحامي الأقليات، رغم ضحالة هاتين القضيتين.

إذ تع على القوى اليسقارية والليبرالية مسؤولية تاريخية، إزاء حدث مفصلي-الضربة
القادمة، أو سقوط النظام بطريقة أخرى- في تاريخ سورية، فالنظام يتهاوى، والقوى
الطائفية الرجعية مرفوضة من الناس، والخارج قال وكرر أنه لا يريد لثورة شعبية أن
تنتصر، وبالتالي وبسبب كل هذه التطورات، صار لا بد من موقف حاسم إزاء القوى
الطائفية هذه، والابتعاد عنها، خاصة وأن الشعب يرفضها ويتمرد ويثور ضدها. أي لا بد
من رؤية واضحة تستهدف تحسين الوضع المعيشي لكافة السوريين ومن كل المدن، وأن
الثورة لن تستهدف طوائف معينة وليست لصالح طوائف أخرى، وأنها لن تتسامح مع القتلة
المجرمين، وسيكون لسورية نظام ديمقراطي على أساس المواطنة.

فهل بمقدور القوى الليبرالية واليسارية، التخلص من التجمعات السياسية
المنخرطة فيها، والتخلص من تشتتها وبلادتها وأنانيتها، والتنسيق بينها بعيداً عن
التجاذبات الدولية والإقليمية، من أجل تحقيق أهداف الثورة، أي من أجل الشعب؟

الأمر معقد للغاية، ولكنها صرخة لا بد منها..!

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *