الرئيسية / رأي / روسيا وإيران في خندق واحد

روسيا وإيران في خندق واحد

عبد القادر عبد اللي

 

كثير من الصحف العربية والعالمية تتحدث عن خلاف إيراني روسي، وغالباً ما يستندون إلى بعض التصريحات أو الأخبار التي تنشرها بعض الصحف الإيرانية المتشددة التي تتحدث عن هذا الخلاف، والصحف كافة في إيران –متشددة ومعتدلة- لا يمكن أن تنشر ما لا ترضى عنه المؤسسة الدينية الحاكمة، ولكن عندما يكون هناك تصريح وفعل، ويتناقض التصريح مع الفعل، فالفعل هو الذي يؤخذ بعين الاعتبار، وليس التصريح… لهذا لا بد من طرح السؤال التالي: “هل هناك تناقض بين تصريحات الصحافة الإيرانية المتشددة وفعلها؟”.

 

إذا كان هناك احتمال بأن الحل السياسي يمكن أن يكون مصلحة روسية، فهل هو مصلحة إيرانية؟ هل يمكن لأي حكومة انتقالية أن تستمر في سورية مع المحافظة على العلاقات مع إيران الإمام الفقيه كما هي في عهد الأسد الابن؟ إيران تدرك تماماً أن الحل السياسي في سورية هو نهاية حلمها الإمبراطوري ومشروعها السياسي الذي يطمح للسيطرة على شرق المتوسط عدا فلسطين وشبه الجزيرة العربية. وعندما تعمل روسيا على تعطيل الحل، وتغامر بمصالحها، فهذا يعني أنها تنظر إلى أبعد من المصالح القريبة، إنها تجد أن الإمبراطورية الساسانية التي تطمح إيران لتأسيسها تخدم مصالحها على الصعيد الاستراتيجي.

 

لم يكن تصريح بوتين “أرضوغان يريد أسلمة تركيا” عبثياً، ولا محط سخرية كما فعل غالبية السوريين بالرد “النظام السعودي يريد أسلمة مكة”، فكثير منا يعرف أنه في المناطق المسيحية اللبنانية كان بعض الموارنة يسألون المسيحي الذي لا يعرفون انتماءه: “أنت أرثوذكسي أم مسيحي؟” وهكذا فإن بوتين يعتبر الإسلام الذي يمكن التعامل معه هو إسلام الولي الفقيه. ولا ننسى عندما صرّح وزير خارجية روسيا: “يجب ألا يحكم سورية رئيس سني!”… وهناك تصريح آخر على لسان أحد أعضاء مجلس الدوما من حزب بوتين على قناة روسيا التلفزيونية الأولى يقول فيه: “يجب أن ندعم كمال قلتشدار أوغلو في تركيا، ونعتبره شريكاً!”…

 

كمال قلتشدار أوغلو حليف الأسد المطالب بالديمقراطية على طريقة روسيا ومريديها. فهو يخشى على تركيا من الديكتاتورية تحت حكم العدالة والتنمية، وفي الوقت نفسه يخطب بأنصار حزبه عندما احتجوا على طلبه منهم انتخاب “أكمل الدين إحسان أوغلو” لرئاسة الجمهورية لأنه إسلامي وهم ضد الإسلاميين: “ستذهبون دادي دادي، وتنتخبونه!” (أردت أن أكون دقيقاً بترجمة مفردة ‘دادي دادي” فاستعرتها من اللهجة العامية)، وبعد فشله في الانتخابات التي خاضها كلها ضد العدالة والتنمية، وإزاء الاحتجاجات داخل حزبه لإسقاطه، أعلن بأن المؤتمر الذي يدعو إليه أعضاء حزبه سيعقد بالمندوبين السابقين، وسيرمم النقص بالتعيين من اللجنة المركزية، هذا يعني أنه يريد أن يعقد مؤتمراً بمندوبين ينتخبونه، ويبقون عليه رئيساً للحزب، ولنتذكر أن هذه هي الديمقراطية المنشودة لمريدي الإمام الفقيه وروسيا.

 

وعندما نستعرض أقوال رئيس هذا الحزب، وأفعاله، نجد أنه أكبر مدعي العلمانية، بل ويعتبر أن أحداً غيره في تركيا لا يمكن أن يحمي العلمانية، وفي الوقت نفسه أكبر داعم للأسد في تركيا، وهو ينتمي إلى الطائفة العلوية، وقد زار الأسد سنة 2012، وأعلن في كثير من المرّات أنه سيطرد السوريين في حال فوز حزبه في الانتخابات التركية البرلمانية. هذا ليس مصادفة، وليس غباء روسياً، إنها سياسة دقيقة، ومعرفة تامة بالأشخاص والسياسات.

 

من جهة أخرى، لمن يريد أن يمنح المواقف السياسية بعداً تاريخياً، ويحلل بناء على معطيات التاريخ، فطالما كانت الدولة الصفوية وروسيا القيصرية على علاقات جيدة في العصر الذهبي للدولة العثمانية، ولمن يؤمن بأن التاريخ يعيد نفسه، فها هي تركيا الناهضة اقتصادياً، والساعية لقرار مستقل، تجد أمامها الدولتين الصفوية بنسختها الإمامية، والقيصرية بنسختها المافيوية.

 

كل المعطيات والمؤشرات تقول إن التحالف الروسي الإيراني استراتيجي، وما العمليات العسكرية المكثفة الذي يشنها الطيران الروسي على الشمال السوري، وفي المناطق التي لا يوجد فيها تنظيم داعش إلا جزءاً من هذه الاستراتيجية. فروسيا وإيران تعرفان أن المناطق التي تسيطر عليها داعش على الحدود التركية مقطوعة، والمناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر والكتائب الإسلامية المعتدلة هي منطقة الدعم الذي يدخل عن طريق تركيا، وهذا القصف الجنوني، وسياسة الأرض المحروقة التي تنفذها في الشمال السوري ليس لها سوى هدف واحد هو خنق المعارضة السورية المسلحة بين فكي داعش من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، ومن ثم تعويم النظام السوري، وفرض سيطرته حتى لو بأوركسترا تتألف من جنود إيرانيين وعراقيين وأوزبك… وقائد روسي. فليس هناك تعارض طالما أن الروس سيحصلون على ما يريدونه من هذه المنطقة حتى وإن تبعت إيران إدارياً.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *