فراس محمد
تعتبر مسألة حصار الأحياء السكنية وتجويع المدنيين من أكثر تجليات المأساة السورية طوال فترة الثورة، حيث استُخدم كسلاح لكسر إرادة الشعب الثائر في جريمة لا تقل بشاعة عن القصف والدمار الذي تلحقه القذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة بهذا الشعب الأعزل. فمن أحياء حمص الثائرة، إلى غوطتي دمشق الشرقية والغربية، بالإضافة إلى جنوب دمشق، تفنن النظام في تجويع شعبه الثائر، وهو ما تابعه داعش، تلميذ النظام النجيب في الإجرام، فراح ينتقم من المدنيين العزل من خلال حصار الأحياء التي يسيطر عليها النظام في دير الزور.
فرض تنظيم داعش عام 2014 سيطرته الكاملة على معظم مناطق سيطرة الثوار في محافظة ديرالزور بعد اشتباكات عنيفة مع كتائب الجيش الحر، التي استطاعت في وقت سابق تحرير معظم المحافظة بما فيها أغلب أحياء المدينة، في حين لجأ عدد كبير من النساء والأطفال وكبار السن إلى مناطق سيطرة النظام في أحياء الجورة والقصور وهرابش والبغيلة والجفرة، وذلك بسبب القصف العنيف التي تعرضت له الأحياء المحررة من قبل قوات النظام، حيث وصل عدد المدنيين في تلك المناطق إلى 250 ألف مدني. لكن بعد أن فقد الثوار أهم معاقلهم في الريف، اضطروا للانسحاب من المدينة ليسطر تنظيم داعش على الأحياء المحررة فيها، ويفرض بعدها حصارا خانقا على هذه الأحياء متسببا بمآسٍ فاقت، على حد وصف بعض ناشطي الدير، مأساة المناطق المحاصرة من قبل النظام في غوطة دمشق.
أبو مجاهد، أحد ناشطي دير الزور ومدير حملة دير الزور تذبح بصمت، قال في تصريح خاص لـ”صدى الشام”، أن “الأحياء المحاصرة أكملت يوم الأربعاء الماضي عاما كاملا وهي ترزح تحت وطأة الحصار والجوع والمرض الذي فرضه تنظيم داعش، متسببا حتى الأن بموت عشرات المدنيين، متجاهلا أن معظم هؤلاء المحاصرين هم أبناء المدينة التي لجأ قسم كبير منهم إلى هذه الأحياء تفاديا لقصف قوات النظام. وأن الجيش الحر طيلة فترة حصاره لقوات النظام في هذه الأحياء، كان يميز بين قوات النظام والمدنيين، فكانت المواد الغذائية والدواء وكافة مستلزمات الحياة تدخل بشكل يومي لهذه الأحياء، لأنهم كانوا يدركون بأن المدنيين الموجودين في هذه المناطق هم أهلهم، في حين لم يميز تنظيم داعش بين المدنيين الأبرياء وبين عناصر النظام الذين تصلهم الإمدادات عن طريق مطار دير الزور العسكري”.
ندرة المواد الغذائية وارتفاع أسعارها
تعتبر ندرة المواد الغذائية وغلاء أسعارها من أخطر ما يهدد حياة المدنيين هناك، خاصة بعد مرور عام كامل على الحصار دون وجود أفق لنهاية هذه المأساة في الأمد القريب. يؤكد الناشط قحطان الهذال أن “سعر كيلو اللحمة بلغ 10 آلاف ليرة سورية، أما سعر الرز أو السكر فقد بلغ 4000 ليرة سورية، إن توفر. بالمقابل، هناك الكثير من المواد الغذائية مفقودة، في حين يؤمن النظام مادة الخبز بمعدل ربطة خبز واحدة لكل عائلة مهما كان تعداد أفراد العائلة، ويبيعها بسعر 200 ليرة سورية للربطة الواحدة”.
كما تحدث قحطان عن “انتشار ظاهرة استخدام مواد كيميائية، حيث يتم بيعها من قبل عناصر النظام كمنكهات بديلة عن بعض المواد، كروح السكر وروح البندورة (صبغة البندورة) ومنكهات فواكه على شكل بودرة تضاف للعجين كي تعطي طعم الكيك”، وأكد أن “هذه المواد تتسبب بتقرحات في الجسم وقرحات معدية بسبب تركيتها الكيميائية”.
معظم المواد الكيميائية المستخدمة كبدائل للمواد المفقودة هي مواد محظورة من قبل منظمة الصحة العالمية بسبب تأثيرها على جسم الإنسان
وفي تعليقه على استخدام هذه المواد، أكد الدكتور إبراهيم محمود، دكتور الكيمياء التحليلية والأخصائي في الأدوية وتركيبها الكيميائي، في تصريح خاص لـ “صدى الشام”، أن “هذه المواد محظورة الاستخدام من قبل منظمة الصحة العالمية بسبب تأثيرها على جسم الإنسان. وحتى بالنسبة لاستخداماتها في الأدوية، هناك تحذيرات شديدة كونها مصنفة كمواد شديدة السمية. فبالإضافة لتأثيراتها على الجسم والمعدة، فأنها تشكل خطرا كبيرا على الكبد والكليتين بسبب صعوبة تفكيكها في الكبد وطرحها عن طريق الكليتين. أما الملونات الكيميائية فقد تم حظر استخدامها في ألعاب الأطفال كي لا تلامس يد الطفل، فيمكننا تخيل مدى خطورتها بحال تم تناولها كطعام. وبالنسبة للمحليات، فبالإضافة لأضرارها على الصحة والكبد والكلى، فليس لها أي فائدة غذائية خاصة لأناس في حالة حصار، فالجسم لا يستفيد منها أبدا، مما يتسبب بهبوط بالسعرات الحرارية التي يحتاجها جسم الأنسان في هكذا ظروف”.
النظام السوري يعمّق معاناة المحاصرين
لم يكفِ ما يحل بهؤلاء المدنيين المحاصرين من محنة ليزيد النظام من معاناتهم من خلال ممارساته، حيث تعيث عصابات اللجان الوطنية المعروفة بالشبيحة، بالإضافة لعناصر الجيش والأمن، فسادا في هذه المناطق. حيث يؤكد الناشط أبو مجاهد أن “ضباط النظام هم من يحتكرون المواد الغذائية التي تأتي عن طريق المطار العسكري، ويقومون ببيعها من خلال عناصرهم واللجان الشعبية، بأسعار خيالية. وبنفس الوقت، يسمح النظام بخروج المدنيين من هذه المناطق في حلات خاصة كالعلاج، بعد دفع مبلغ 50 ألف ليرة سورية للشخص برا، و150 ألف ليرة سورية بطائرة الهليكوبتر لمطار القامشلي. لكن اللواء محمد خضر أصدر قرارا بمنع سفر المواطنين لأي سبب كان، ليعود ويسمح السفر قبل أيام، بعد أن رفع الأسعار وأصبحت 150 ألف ليرة سورية للنقل البري و350 ألف ليرة سورية لطائرة الهليكوبتر”.
تنسيق بين داعش والنظام
هناك تنسيق بين عناصر داعش وضباط الجيش السوري في التجارة بالمواد الغذائية التي لا يتم إدخالها عن طريق المطار
يؤكد الناشط قحطان الهذال أن “هناك تنسيق بين عناصر داعش وضباط النظام السوري فيما يخص التجارة بالمواد الغذائية التي لا يتم إدخالها عن طريق المطار. فجزء كبير من المواد الغذائية التي يحتكرها ضباط النظام الكبار بالمحافظة، يتم إدخالها بالتنسيق مع عناصر داعش وبأسعار يتم الاتفاق عليها بشكل مسبق. حيث تباع بعد ذلك للمواطنين بهذه الأسعار الخيالية، فكلا الطرفين مستفيدان من هذه التجارة على حساب المواطنين المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث