سارة عبد الحي
إن ضيق ذات اليد والعوز المعيشي ليس جديداً على حياة السوريين أو دخيلا عليها، حيث عانى المواطن السوري الكثير من حالات التردي الاقتصادي، والتي تفاوتت شدتها باختلاف المراحل السياسية التي مرت بها سوريا. وقد كانت تلك الحالات تهدد، في معظم الأحيان، الطبقة الوسطى، عصب المجتمع السوري، بالانقراض. يحدث ذلك في بلد يصنف من البلدان الغنية بالموارد الطبيعية والبشرية، والتي تكفي لو تم استثمارها بشكل صحيح، لتأمين حياة كريمة ومستقرة لمواطنيها.
لا يعتبر فعل التسول بحد ذاته، حكراً على المجتمعات الفقيرة أو الأماكن ذات الاقتصاديات المتردية أو البلدان ذات الأنظمة السلطوية، لكن عندما يتحول هذا الفعل إلى ظاهرة واسعة تجتاح الشارع والرصيف، وسائط النقل، المحال التجارية، المؤسسات، المدارس، المستشفيات، القهاوي، الجوامع والكنائس، وتصل إلى أن يطرق المتسولون أبواب المنازل كما هي الاّن في سوريا، تتحول هذه الظاهرة إلى كارثة حقيقية.
يقول أبو محمد خالد، أحد المهتمين بالشأن الاجتماعي السوري: “بعد خمس سنوات من قيام الثورة، وما شهده السوريون على إثرها من نزوح وحصار وخسارات، ازدادت حالات الفقر، وتطورت حالات التسول، وأخذت أشكالاً أكثر وضوحاً، وباتت تحمل مبرراتها ربما”.
ولكن إلى جانب الحالة الإنسانية الحقيقية والواقعية المفهومة تلك، نشأت معها ورافقتها العديد من الظواهر التي تخفّت تحتها، من تأسيس شركات للتسول المنظّم تقوم على استغلال الأطفال وتوظيفهم للعمل كمتسولين يستجدون المال مقابل أجور مادية أو عينية يومية .. إلى الاستغلال الجسدي والجنسي للإناث، وغالبيتهم من القاصرات، تحت غطاء التسول، وتوظيفهم في أعمال الدعارة.
ويتابع خالد قائلا: “إن هذه المؤسسات تقوم على تقسيمات إدارية وجغرافية ومناطق نشاط محددة ومتفق عليها. وتقوم شخصيات نافذة مرتبطة بإحدى ميليشيات النظام الأمنية أو العسكرية على تغطية هذه المؤسسات وحمايتها. كما ويتم توظيف الكثيرين من المتسولين توظيفاً أمنياً لصالح المخابرات لنقل المعلومات والأخبار وأعمال المراقبة، مقابل أجور تكفل للمتسول المُخبر طعام يومه بالحد الأقصى. ويحدث أن نشطت هذه المؤسسات في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام لصالح مافيات خاصة يديرها أشخاص مرتبطون بمصالح مشتركة مع أحد أمراء الحرب”.
في حين يقول واثق المنعم، أحد النشطاء المراقبين لظاهرة التسول التي استشرت في جميع أوصال العاصمة دمشق إن “العاصمة التي تخضع لسيطرة النظام المطلقة، والتي كانت وزارة الشؤون الاجتماعية هي المسؤولة المباشرة عن كبح ظاهرة التسوّل فيها ومتابعتها، ترى شوارعها اليوم تغص بالمتسولين من كافة الأعمار، ذكورا وإناثا، يجولون مرافقها العامة والخاصة كما يحلو لهم، ويتبعون أشكالا متعددة للتسول. فمنهم من يستغل إعاقة ابنه الجسدية أو العقلية فيضعه على الرصيف وحيدا تاركا بجانبه قطعة من القماش ليضع المارة عليها النقود، وفي آخر الليل يأتي مصطحبا ابنه وما جناه من نقود إلى المنزل، ومنهم من يرتدي ملابس رثّة ويدعي المرض، ويسير بين الحارات طالبا المساعدة. في حين تتفنن النساء المتسولات بأساليب الاستجداء والابتزاز العاطفي لكسب المزيد من الأموال”.
ويتابع المنعم حديثه محملا النظام مسؤولية هذه الظاهرة: “تاريخياً.. منذ توليه السلطة، استخدم النظام الأسدي سلاح التجويع والحاجة، وتهديد السوريين بالفقر عبر منهجية سياسية اقتصادية مدروسة، وربط رأس المال الوطني بدائرة النظام الضيقة من خلال بعض الشركات الخاصة التابعة له أو بعض الشخصيات المقربة منه. وقد أرهق القطاع العام وسرقه، وقنن الحياة المعيشية للمجتمع السوري بحيث تركه يلهث خلف رغيف الخبز. أما الاّن، فالنظام وفي كثير من الأماكن السورية التي يبسط سيطرته عليها، قادر على لجم العديد من الظواهر أو تركها تنمو وتزدهر بغية إيصال الرسالة التي تبناها منذ آذار الـ 2011 “هي الحرية اللي بدكن ياها”. لقد عمل النظام السوري على تغذية وتطوير كل البشاعات والآفات الاجتماعية بهدف إيصال هذه الفكرة”.
بالنتيجة، سوريا كلها تتسول اليوم، تتسول الحياة، الهجرة، القوت، الكهرباء، الوقود، الدواء، حليب الأطفال، الخيام، و … الأكفان. فلم يعد تسول رغيف الخبز أمرا ذي شأن.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث