دمشق – ريان محمد
لم يكن ينقص العائلات السورية في مناطق النظام أسبابا جديدة تهدد استقرارهم، فبالإضافة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع إيجارات المنازل، والملاحقات الأمنية والترهيب والعنف المنتشر بلا ضابط أو رقيب، جاءت حملة النظام الأخيرة لاعتقال الشباب وزجهم على جبهات القتال، ما أدى إلى زعزعة استقرار الكثير من عائلاتهم، إما لافتقادها لمعيلها، أو امتناع أفراد منها للذهاب إلى أعمالهم أو جامعاتهم، ومنهم من غادر دمشق أو يستعد لذلك، ما يدل على فقدان تلك العائلات للأمان.
بدأت الشرطة العسكرية وشعبة الأمن العسكري التابعة للنظام، منذ 15 يوما، بنشر دورياتها داخل المدن وعلى الطرقات الدولية، حيث اعتقلت آلاف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 19 إلى 42 عاما. وتفيد التسريبات بأن هذه الحملة قامت بناء على توجيه من القصر الجمهوري يقضي بالتعبئة العامة غير المعلنة، في وقت لم تُدعم هذه الحملة بنشاطات إعلامية أو جماهيرية لتوضيح أبعادها وأهدافها، باستثناء بعض اللقاءات الإعلامية الخجولة التي أجرتها بعض وسائل الإعلام، وركزت على الشعارات العريضة التي تدور حول محاربة الارهاب وقصة المؤامرة الكونية.
حسن الشامي، ناشط معارض من دمشق، قال لـ”صدى الشام”، أن “الحملة الكبيرة التي شنها النظام في مناطق تواجده وسيطرته، تعريه تماما من كل ادعاءاته بأنه يمتلك دعما شعبيا واسعا، وأن صموده حتى اليوم هو نتيجة التفاف الشعب حوله وإيمانهم بقيادته، وخاصة عندما نعلم أنه نصب الحواجز بقرب ما كانت تسمى خزاناته البشرية في دمشق، من المزة 86 والسومرية وضاحية الأسد وحي التضامن وجرمانا، وغيرها من المناطق ذات الصبغة الخاصة، وعلى طريق دمشق السويداء ودمشق طرطوس اللاذقية”.
الحملة الكبيرة التي شنها النظام في مناطق تواجده وسيطرته، تعريه تماما من كل ادعاءاته بأنه يمتلك دعما شعبيا واسعا، وأن صموده حتى اليوم هو نتيجة التفاف الشعب حوله وإيمانهم بقيادته
ونقلا عن مصادر مطلعة من المناطق المذكورة، فقد “تم توقيف آلاف الشباب ممن ينتمون إلى الأقليات، والذين كانوا يرفضون الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية منذ سنوات. وحتى أن هناك جزءا كبيرا من عناصر ميليشيا الدفاع الوطني في تلك المناطق، أقرت بانتمائها لهذه المليشيا على أن تبقى في مناطقها فلا تصطدم مع أحد، وتتهرب من الالتحاق بالقوات النظامية، في وقت غادر عدد كبير من الشباب المنتمين إلى الأقليات البلاد خوفا من أن تطالهم هذه الحملة”.
ورأى الشامي أن “ردة فعل الناس على حملة النظام، وتكشّف حقيقية رفضهم للالتحاق بقواته، تدل أن النظام لديه اليوم آلاف الشباب غير المؤمن بقضية حمل السلاح، ما سيجعلهم عبئا عليه في الجبهات، بل وقد تكون الجبهات التي سيقاتلون فيها من أضعف الجبهات، حيث أنهم لا يملكون أي دافع للصمود أو التمترس فيها”.
من جانبه، قال مهند، موظف في دمشق، وهو من أبناء اللاذقية، لـ”صدى الشام”: “تقدمت بإجازة من عملي لمدة أسبوعين، وهي اليوم في نهايتها، وقد أضطر لتجديدها، وذلك كله بسبب حملة سوق الشباب على الخدمة. آمل أن تنتهي هذه الحملة قريبا، فأنا لا أستطيع أن ألتحق بالقوات النظامية، لأسباب عديدة أولها أني غير معني بهذه الحرب، فلست أنا من جلب الإرهاب إلى سوريا أو قتل الناس أو قصفهم، ولا أريد أن أكون كذلك. فلماذا أعرّض نفسي للموت وأيتّم أبنائي؟”.
وأضاف “حتى الوضع المادي للعسكري الاحتياطي سيء جدا، فدخله الشهري لا يتجاوز 20 ألف ليرة إذا كان خريجا جامعيا، وهذا لا يكفي العسكري لنفقات الطعام والاتصالات. وإن أتت خدمتك في محافظة بعيدة كحلب مثلا، هل تعلم أن تكلفة النقل من حلب إلى دمشق تبلغ اليوم نحو 6 ألاف ليرة؟ أما المجند فمرتبه مضحك فهو لا يصل إلى ألفي ليرة سورية في الشهر”.
ويتابع “لدي أقرباء في القوات النظامية، هم نصحوني ونصحوا كل الشباب في العائلة، بأن لا نلتحق بالخدمة، وقد حدثونا عن عشرات القصص حول تخلي القادة عن العسكريين، والجوع وسوء المعاملة، حتى أن منهم من انشق عن الجيش وذهب ليقاتل مع ميليشيات موالية بسبب الراتب ووجود ضباط يقال عنهم أنهم لا يتخلون عن جنودهم. اليوم الضابط الوطني المميز هو من يأكل مع جنوده ويلتحم معهم في المواجهات العسكرية”.
وأما زاهر، وهو شاب جاوز الخامسة والثلاثين من عمره، موظف وما زال أعزبا، قال لـ”صدى الشام”: “كانت خدمتي الإلزامية في القوات الخاصة. كانت أياما صعبة جدا، لم أصدق أني سُرّحت حينها، لحظة هي الأسعد في حياتي. ولكن منذ طلبت للخدمة الاحتياطية انقلبت حياتي رأسا على عقب، ألغيت فكرة الزواج، فمن يزوج ابنته لشخص قد يساق إلى جبهة ما ليموت! حتى عملي غير مستقر، فنحن مطالبون ببيان وضعنا العسكري كل عدة أشهر، ومن حظي السعيد أني مشمل بعفو، فكنت أحصل على هذا البيان. لكني اليوم لا أشعر بالأمان بأي شكل، لذلك قررت السفر”.
ويستدرك قائلا “هذه الحملة كانت باب رزق جديد للبعض في النظام، على حساب الشباب المطلوب، فقد سببت بارتفاع أسعار استصدار جواز سفر من حدود 300 ألف إلى نحو المليون، أما سعر التهريب إلى خارج البلاد فيصل إلى مليون ونصف”.
يشار إلى أنه لا معلومات أكيدة حول فترة استمرار هذه الحملة، فهناك من يقول أنها ستستمر حتى بداية العام المقبل، وآخرون يعتقدون أنها لن تنتهي حتى يتم استكمال الفيلق الرابع، وهو بحاجة الى أكثر من 100 ألف عسكري، في حين تشير تقارير إلى أن ما تبقى من القوات النظامية، التي كانت مكونة من ثلاثة فيالق، لا يتجاوز 75 ألف عسكري من أصل نحو 450 ألف عسكري، وتوزع الباقون بين منشق وقتيل وجريح ومفقود.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث