الرئيسية / رأي / بعد الكيماوي.. حدود التحرك الأميركي في سوريا

بعد الكيماوي.. حدود التحرك الأميركي في سوريا

حمزة
المصطفى

بعد كل حدث جلل ومجزرة
كبيرة يرتكبها النظام السوري، تكثر الكتابات والتحليلات عن إمكانية حصول تحرك
دوليّ عسكري في سوريا بشكل يغير من معادلة الصراع القائم منذ سنتين على الأقل. لكن
هذه التحليلات غالباً ما تكون رغائبية، تبني فرضيات من دون قراءة متمعنة للواقع
الدولي وتشعباته، وبدون دراسة التغييرات في اتجاهات السياسة الخارجية للدول الكبرى
لاسيما الولايات المتحدة، ومدى اقتراب الملف السوري من دائرة تعريفها لأمنها،
ومصلحتها القومية. كما أن هذه التحليلات تتجاهل دوماً الفرص والمخاطر التي تراها
هذه الدولة أو تلك لنفسها، لا كما نراها أو نتمناها انطلاقًا من البعد الإنساني
الذي دشنت الأزمة السوريّة أفوله من أدبيات دراسة العلاقات الدولية كمحرض للتدخل
الدولي.

منذ انطلاق الثورة السوريّة
فضلت الولايات المتحدة الابتعاد عن لعب دور فاعل في مسارها، فراهنت على الأسد
لأكثر من خمسة أشهر كي يستجيب للمطالب ” الإصلاحية”. إلا أن تطور المواقف
الإقليمية والعربية المضادة للنظام السوري أجبرت أوباما على رفع السقف والمطالبة
بتنحي الأسد عن السلطة، ولكن من دون أن تضع تصوراً أو خطة لتنفيذ هذا المطلب؛
الأمر الذي جعل الدور الأميركي في سورية ثانويًا أو في الصف الثاني خلف دول تصدرت
مشهد التأثير هناك.

بعد انتقال الثورة إلى مرحلة الكفاح المسلح،
توقع كثيرون أن يتكرر السيناريو الليبي في سوريا، لكن ذلك لم يحصل، بل على العكس،
رفض أوباما في عام 2012 مقترحات من وزارة الخارجية والبنتاغون لمساعدة الثوار
عسكرياً لإسقاط الأسد.

لقد فرض الواقع السابق أن توضح الولايات المتحدة
حدود وسقوف دورها فابتدع أوباما ما أسماه ” الخط الأحمر”، القاضي بأن
” قواعد اللعبة” ستتغير إذا ما أقدم النظام على السلاح الكيماوي ضد
معارضيه؛ بالتزامن مع ذلك اعتمدت إدارة أوباما ” الحل السياسي” القائم
على مفاوضات بين النظام والمعارضة لتشكيل حكومة انتقالية سبيلاً وخيارًا وحيدًا
لحل الأزمة وفق بيان جنيف 30 حزيران/ يونيو 2012. لقد اعتقدت إدارة أوباما أن
النظام السوري لن يلجأ لاستخدام الكيماوي، وبذلك لن تكون مضطرة إلى وضع الخيارات
العسكرية في قائمة خيارتها للتعامل مع الملف السوريّ، كما رأت أن التعاون مع روسيا
حول سوريا سيكون أقل الخيارات تكلفة لحل أزمة دولية معقدة كتلك التي في سوريا.

رهانات أوباما الواقعية
فشلت مع تجرؤ النظام السوري على استخدام السلاح الكيماوي في مواقع عدة كان أخرها
في غوطتي دمشق، والذي انتهى باستشهاد اكثر من 1500 شخص، كما أن التعاون مع روسيا
لم يحقق لإدارته مرادها في الحل السياسيّ.

في ظل هذا الواقع تبدو الولايات المتحدة في مأزق لجهة ضيق
الخيارات في إدارة الأزمة السورية، وازدياد الانتقادات سواء من حلفائها الأوروبيين
والإقليميين، أو من قبل أعضاء في الكونغرس الذين اتهموا أوباما بإفقاد الولايات
المتحدة لمصداقيتها وتجاهلها لخرق النظام السوري لـ” الخط الأحمر”.

على الرغم من ذلك لا تبدو
إدارة أوباما في وضع يدفعها لتغيير سياساتها القديمة، والإقدام على تحرك عسكريّ ضد
النظام السوري، حتى بعد تسريبات صحيفة “نيويورك تايمز” والتي تحدثت عن
خطة عسكريّة أميركية لضرب مواقع في سوريا، وإبقاء جزء من الأسطول السادس في البحر
المتوسط على الرغم من انتهاء مهمته. ويعزز من هذا الطرح ما قاله أوباما يوم الجمعة
23 آب/ أغسطس 2013 لشبكة
CNN الإخبارية “أحياناً ما نتوقعه أن الناس سيدعون
إلى تحرك فوري.. الدخول في أمر غير واضح جيداً يجعلنا في أوضاع صعبة للغاية، يمكن
أن تجرنا إلى تدخلات مكلفة وصعبة، ستولد في واقع الأمر المزيد من الاستياء في
المنطقة”.

لكن يجب أن نهمل تغير نبرة
الخطاب لبعض القوى الدولية، لاسيما فرنسا، التي طالبت لأول مرة وبوضوح باستخدام
” القوة العسكرية” للرد على استخدام النظام للكيمائي، والموقف المتقدم
لوزير الخارجية البريطاني “وليم هيغ” الذي اتهم النظام باستخدام السلاح
الكيماوي في الغوطة، ودعا إلى تغليب خيارات جديدة في إشارة إلى الخيار العسكري.

ازدياد الانتقادات
الأوروبية والإقليمية لأوباما قد يسهم في مراجعة الخيارات الأميركية، بما يضغط على
الجناح المعارض للتدخل العسكري في سوريا، المتمثل بوزير الدفاع الأميركي “هاك
تشيغل” ورئيس أركانه “مارتن ديمبسي” ويدفع لاتخاذ قرارات تغير في
طريقة إدارة أوباما للملف السوريّ. يبقى هذا السيناريو قائمًا على ضآلة فرصه، ولكن
يجب أن نتيقن أنه في حال حصوله فسيكون لمعاقبة النظام، وليس لإسقاطه.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *