ياسر الأطرش
إذا ما غضضنا
النظر عن “التفاهات” التي يكتبها ثوار الفيسبوك من باب أداء الواجب
الثوري وعدم التغيب أبداً عن صولات وجولات معاركه المحتدمة، وأحلام وطوباوية
المغرمين بمقاهي دمشق وعبق تاريخها الذي يفوح من أرصفتها وياسمين حواريها
“حتى الآن”، إذا ما تجاوزنا بلاهة أولئك، وقلبنا البصر في الأرض، ما قرب
منها وما بعد، سيبدو لنا وبنظرة واقعية مؤلمة، أن الأخضر الإبراهيمي الذي طالما
بهدلناه وسخرنا منه، ذلك السياسي المحنك والعجوز الذي خبر الدنيا والمجتمع الدولي
وسفالاته، سنجده كان محقاً في كل كلمة وكل
تحذير .. “صوملة” سوريا .. ألم يكن الرجل أول من حذر من تعميم التجربة
الصومالية في سوريا.. والآن : ها هم أمراء الحرب تحت مسميات شتى، إسلاميون ببزات
متباينة وأسماء هم سموها ما أنزل الله بها من سلطان، أكراد يقتطعون على عجل قطعة
من وطن ذبيح ويحاولون شرعنة ما هو أكثر وأبعد من حكم ذاتي.. جيش حر بلا هوية ولا
قيادة ولا هدف واحد ولا داعم واحد، بعضه يقاتل في سبيل الله وبعضه في سبيل
الطاغوت، خطف وسلب ونهب باسم الجيش الحر، ومعادلة على الأرض لا يمكن أن يستقيم
معها حال نصر لطرف، ولو كانت بين طرفين لقلنا إنها الحرب وستسفر عن منتصر، إلا أن
تعدد الرايات والأطراف جعل النصر أبعد ما يكون عن نتائج هذه المعركة التي كلما كان
يلوح فيها تقدم كان العالم يحرص على إقحام وفرض متغيرات جديدة كي يغير المعادلة
ولا تنتهي المعركة. نعم المعركة لا يراد لها أن تنتهي ..
سوريا أضحية العالم الأحدث، فرضت واقعاً
إقليمياً وعالمياً جديداً، لا بأس إذاً –طالما وقعت- من تقاسم لحمها وجلدها ودمها،
فمناخها ملائم جداً لتصدير كل ما لدى أوروبا وأمريكا وروسيا وجوارها من
“جهاديين” سيجدون فيها الآن محوراً لمعركتهم، وسيستقر كثير منهم، قبل
نهاية أي معركة، في أريافها ليقيم إمارات على قرى نائية صغيرة، وهناك سيتزوج ويفتي
ويجلد ويؤم المسلمين ويخطب بهم أيضاً.. لا يهم ما وراء حدود القرية، والأسد سيسقطه
الله العلي القدير. أما نحن، فقد مكن الله لنا في هذه المدينة وهدينا أهلها وأقمنا
فيهم الصلاة والعدل، ( أسس دولة عظيمة وصار أميرها) .. هؤلاء حقاً لا يستطيعون
العيش إلا في هكذا مناخات لا يمكن إيجادها بسهولة ويسر على ظهر الكوكب، هي أشبه
بأوهام استطاعوا أن يرسموها ويركبوا لها أرجلاً في سوريا، حتى أصبحت وكأنها حقيقة
تكلم الناس .. وتجد لها عند المجتمع الدولي صدى أعلى بكثير مما وجدته صيحات الثوار
الذين لو استجاب لهم ضمير العالم عندما كانوا يداً واحدة وصوتاً واحداً وقلباً
واحداً، لما وصلنا أو أوصلنا إلى ما نحن عليه، العالم إذاً يحتاج سوريا هكذا، في
حالها الراهن، فغير تصدير كل ما لا يلزمه من مواطنين “هواة قتال”، ستكون
سوريا الأعلى أسهماً في تبادلات وتجاذبات المصالح الإقليمية والدولية، الآن.. تبدو
سوريا بكل تأكيد ورقة طاغية الحضور في محادثات النووي الإيرانية الأوربية، فبدل أن
تساوم إيران على ما هو جزء من أمنها القومي، أصبح بإمكانها الآن المفاوضة على
دعمها ووجودها في سوريا، وكلك حال الروس مع الأمريكان، والسعوديين والقطريين، وحتى
الأردن ولبنان وحكومة الطوائف في بغداد.. العالم لن يترك سوريا تعود لأهلها هكذا
بيسر ، هي الآن في موقع ومشهد غنيمة، والعالم جائع يترنح تحت نوائب الفشل
الاقتصادي في أوربا، وتململ الشعوب في الشرق الأوسط، وتقزم دور المؤسسات الأممية
لصالح تغول إرادات دكتاتوريات قديمة جديدة..
أمراء حرب .. ونجحوا في تسويق فكرة “يجب أن يكون لي شيء في سوريا” حتى
أساومك عليه عندما نختلف ..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث