الرئيسية / Uncategorized / حلب تكشف أسرارها

حلب تكشف أسرارها

ليليا نحاس

إن أردت أن تحظى بصديق حقيقي فابحث عنه في
الأيام الصعبة؛ المحن كفيلة بأن تكشف لك جوهر الانسان.. كذلك تفعل المدن , يسعى كل
مهتم بالتعرف أو بدراسة ثقافة مدينة ما لزيارتها في إحدى أزماتها، ليرصد تفاعلات
البشر اليومية، وأعمالهم التي ستصوغ واقعاً يخفف أو يزيد من وقع الأزمة على حياة
المدينة، وفي غياب جهات إدارية معنية بإدارة الأزمة المعيشية الخانقة التي تعيشها
المدينة، وتعمل على توعية المواطنين، وتسهل الإجراءات التجارية والتعاملات وتبسطها, نبحث هنا في الواقع العذري لتعاطي المدينة مع أزمتها على
المستوى الجماعي، والفردي.

في نظرة سريعة لما تعيشه المدينة من عدم توفر فرص العمل، والوضع
الاقتصادي المتردي، وعدم تطبيق القوانين، والانفلات الأمني، وعدم توفر بيئة تربوية
مناسبة للمراهقين، والآثار النفسية التي يتحملها المواطنون، يتوقع أي باحث اجتماعي
كماً كبيراً من الجرائم الفردية والسرقات، لكن حلب لم تفعل ذلك بالرغم مما يحصل
يومياً من إزهاق للأرواح، والسرقات،
والخطف، لكنها جميعاً تنسب للصراع السياسي الدائر، وليس لسلوك فردي للمدنيين,
تسمح هذه الحقيقة للمتشائمين بالنظر بطريقة مختلفة لحاضر ومستقبل حلب الأهلي .

جاء الصيف في حلب.. وبقيت المدينة تقفل شرايينها عند العاشرة مساء, و
حين أقبل شهر رمضان، بدأ الناس بنزع عباءة
الخوف، والخروج بعد الإفطار متجهين إلى
المحلات والمساجد و التنزه في الشوارع، حتى أن الكثير من المحلات التجارية باتت
تغلق عند أذان الفجر، والشوارع لا تخلو من المارة حتى في ساعات متأخرة من الليل، ليسخروا
بذلك من فظاظة اليأس الذي لم يستطع الوصول إليهم، وينتزع حب الحياة من قلوبهم .

من الصعوبة على عقبات الحياة أن
تقف صامدة أمام إرادة أهالي حلب الذين عملوا بشكل فعال وسريع على إيجاد البدائل
والحلول لمعظم المشاكل الحياتية التي واجهت المدينة؛ افتتح ما لا يقل عن 30 معهداً
تعليمياً في المدينة خلال أشهر كبديل للمدارس التي أغلقت وتسببت بتعثر العملية التعليمية لجميع المراحل
الدراسية , ينشط فجأة عشرات السرافيس الإضافية عندما ينقطع البنزين المزود
للسيارات الخاصة، وسرعان ما تعمل محلات الفطائر والأفران الخاصة لصناعة الخبز
عندما تغلق الأفران العامة نوافذ بيعها, كذلك
استبدل الكثير من تجار الالبسة بضائعهم ببضائع البالة الأكثر لطفاً على جيب
المواطن, ويذهب البائعون إلى المناطق المحررة قاطعين معبر الموت ليشتروا كماً
يسيراً من الخضار، يخفف حدة الحصار
الغذائي المفروض, لم يتردد أيضاً معظم من تضررت محلاتهم من بيع بضائعهم على بسطة
في الشارع لكسب رزق يعينهم على ضنك الحياة، ويذكر أن ثقافة العمل الجاد ثقافة
متأصلة في حلب، ففي وقت يجد فيه أهالي مدن أخرى صعوبة كبيرة في تغيير مهنهم التي توقفت
بفعل الأزمة، ويقفون عاجزين أمام حواجز نفسية واجتماعية.

فيعمل من كان صاحب أملاك وأموال يوماً في حلب بقيادة سيارة أجرة، أو
يبيع على بسطة .

عمل شباب حلب بشكل فعال جداً على جعل الحياة الافتراضية على الشبكة
العنكبوتية مكاناً حياً في حياة أهالي حلب،
فأصبحت صفحات الفيس بوك الخاصة بالمدينة مكاناً يوجه الأهالي للأحياء الآمنة،
ويحذرهم من بعض المخاطر، وقدمت في صفحات أخرى الكثير من الخدمات الاجتماعية كوسيلة
للحصول على التواصل والحصول على المساعدات الإنسانية، كذلك تتم عليها أيضاً الكثير
من عمليات بيع وشراء الأدوات المستعملة، وهي البديل الأمثل للأدوات والأجهزة
التكنولوجية الجديدة باهظة الثمن, هذه
الخدمات الفعالة والعملية حفزت الكثيرين
من البالغين وكبار السن للتعرف والدخول إلى شبكة الإنترنت, هذا التفاعل فتح ايضاً المجال لإيجاد حلول عملية للمشاكل
التنظيمية في المدينة، ويذكر على سبيل المثال اقتراح الأهالي على إحدى الصفحات
الحلبية تنظيم دور تعبئة المحروقات من المحطات تبعاً للرقم الأخير من نمرة السيارة، وطبقت الفكرة بعد أيام وجيزة، في حين لم يستطع
عناصر الجيش تنظيم هذه العملية على مدى أشهر طويلة .

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *