عمّار الأحمد
ساد منطق الاستجداء على سياسات المجلس الوطني،
وبعده الائتلاف الوطني وكذلك بالطبع هيئة التنسيق المستندة إلى الامبريالية
الروسية، بمعنى غاب المشروع الوطني في سياساتهم، وحضر مقابل ذلك الدور العالمي
الخارجي، فهو برأيهم وحده القادر على حسم المعركة مع النظام، وسقوطه لا يكون بسبب قوة
الشعب وثورته بل بقوة التدخل العسكري أو التسليح أو بوساطة مجلس الأمن.. وكلما حدث،
وطلوا على الإعلام، ويا لكثرة طلاتهم البائسة!! كانوا يكررون اللازمة نفسها، وهي التدخل
الخارجي والحظر الجوي والتسليح، بل وهم من دفعوا الشعب مرة، إلى تسمية أحد أيام
الجمع بتلك الأسماء المخجلة –الحظر الجوي- بحق ثورة عظيمة، كالثورة السورية.
منطق الاستجداء ذاك الذي تستخدمه المعارضة،
يعبر عن عدم ثقة بالشعب، بل وأن الثورة بأكملها وسيلة من أجل وصولهم إلى السلطة،
وفي هذا معظم السياسيين الذين ينتمون لهذه المعارضة، بالقول لولا نضالاتهم قبل
الثورة لما كانت الثورة؟! وبالتالي لا يمكن لأحد برأيهم أن يسقط النظام إلا
الخارج؛ الخارج هذا بدوره لم يتوان أبداً عن إغداق الوعود الكاذبة، وقد فتحت له
المعارضة كل أبواب التواصل المباشر مع الثورة، وتعزز ذلك، حينما طغى الجانب
العسكري فيها، وبالتالي شطبت الدول الخارجية تلك المجالس والائتلافات، وأصبحت
علاقاتها مباشرة مع الكتائب المسلحة، بل وهناك تقارير تفيد بأن بعض الكتائب تعمل
لصالح دول خارجة، وأحيانا تجبرها تلك الدول على خوض بعض المعارك أو الإحجام عنها.
الذي
سمح بذلك، وبارك وثمّن ذلك، هي المعارضة، فهي مدفوعة بعامل واحد ألا وهو إسقاط
النظام بأسرع الطرق، فكان موشحهم المذكور… وطال عمر الثورة!.
الإشكالية الكبرى للثورة، هي عدم قدرتها على
تشكيل قيادة داخلة سياسية وعسكرية وطنية، تكون قادرة على التفاوض مع دول العالم،
بل ومع النظام، من موقع الثورة، وهو ما جعل المعارضة “تتسلبط” على
الثورة، وأدخلتها بتعقيدات ومشكلات، منعتها من أن تطور نفسها؛ وبالتالي تتحمل
المعارضة بالتحديد مسؤولية تراكم المشكلات وتأخر سقوط النظام.
منطق الاستجداء ذاك، جعل النظام قادراً على
توجيه الثورة، ودفعها نحو اتجاهات الثورة المضادة، كتيار التطييف فيها والجهادية،
ولعب المال السياسي دوراً رئيسياً في نشاطات كثير من السياسيين، وتم ربط كثير من الإعلاميين
بالقنوات فضائية وسواها، وراحوا ينفذون سياساتها ورؤاها!
إذن لم تنتج الثورة سياسات وطنية واضحة
المعالم، ولكنها بجسمها الأساسي لم تبتعد عن الوطنية كذلك، وبالتالي وفي الوقت
الذي حاول النظام دفعها لتصبح طائفية بالكامل ومعسكرة بالكامل، فإن الثورة بقيت
بتوجهها العامة شعبية وطنية ولم تستطع القوى المسلحة فرض خياراتها كخيارات وحيدة
في الثورة؛ ونلحظ ذلك في الانتفاضات والمظاهرات المتكررة ضد القوى الجهادية
والطائفية أو المحاكم الشرعية، في أكثر من مدينة وقرية.
بمعنى آخر لا تزال الثورة تحاول الحفاظ على
طبيعتها الأصلية، وتسعى نحو دولة لكل السورية ووضع اقتصادي أفضل، بل ورغبة في
سيادة وطنية على كامل الأرض السورية، واسترجاع الجولان ولواء إسكندرون.
مع مجزرة الغوطة الشرقية والغربية المروعة، لم
تجد قيادة الائتلاف، سوى تكرار اللازمة المقيتة، عن الحظر الجوي، والتدخل الخارجي،
وعقد مجلس الأمن، والمطالبة بالبند السابع فيه، أي لم تتزحزح قيد أنملة عن منطقها
نفسه في بداية الثورة، متجاهلةً تقدم الثورة الواسع والإنهاك البائن لقوى النظام
ووصوله لحالة الانهيار، والمعنويات العالية للثورة، وبالتالي لم تقرأ الواقع ولا واقع
الثورة؛ وأصبحت تلك القيادة بمثابة إعاقة حقيقية لتطورها، ولا بد من إسقاط
المعارضة مع السلطة، وربما قبل سقوطها، كي تسقط الأخيرة فعلاً؛ فكيف لمعارضة أن
تساهم في تذليل مشكلات الثورة وهي لا تراها من أصله؟!.
لن نعدد هنا مشكلات الثورة، فهي كثيرة وتؤخر
من إسقاط النظام، ولا يفيد منطق الاستجداء في شيءٍ، بل ويكرس تلك المشكلات،
وبالتالي ومن أجل حل هذه القضايا، يصبح على الثورة، بكل تنويعاتها، ومكوناتها، أن
تحسم مسألة القيادة وتشكل قيادة سياسية وعسكرية لإدارة شؤونها، وأن تلزم كل التشكيلات
المسلحة غير المنضوية تحت لواء الجيش الحر
على الانضواء فيه، أو التنسيق معه، وطرد من ليس سورياً منها، وإنهاء تنظيم الدولة
الإسلامية وجبهة النصرة، وإيقاف تدفق المال السياسي المباشر من الدول الخارجية، أو
منظمات وجمعيات خارجية، وأن يكون الدعم عبر هيئات مستقلة عن كل القوى السياسية،
وتكون لصالح تأمين حاجات الناس.
تشكل الأجواء الجديدة، المتعلقة بطرح جنيف 2
من جديد، والمرافق لتراجع قوة النظام، وانكشاف تهافت المعارضة وانتهازيتها، وسعيها
لسلطة تخصها، وتكون هي البديل فيها، فرصة جديدة أمام الثورة لنزع تلك لمعارضة،
ولطرح مشروعها، والذي يرفض منطق الاستجداء ويضبط شؤون الثورة السياسية والعسكرية،
وإقامة صلات مع دول العالم وشعوب العالم بناء على الندية، والعمل على تفعيل دور
المؤسسات الدولية الحقوقية من أجل رفع الدعاوى الجنائية أمامها ضد المسؤوليين عن
جرائم القتل المتعمد والذي انتهجها النظام بشكل مستمر على الثورة.
هذه القضية، وفي حال تحقيقها، يفترض فيها
تغيير شروط الثورة، والتحكم بسياساتها؛ وهو يتطلب إبعاد السياسيين التابعين للدول الخارجية،
وضبط التنظيمات الجهادية عبر سيطرة الجيش الحر، وربما خوض معارك ضدها لتنضبط.
وفي حال تعذر ذلك، فإن الضغط المستمر ضمن هذه
الأطر، على كشف الحقائق حول الفساد المالي والسياسي عبر التبعية لدول خارجية،
وتفكيك خطاب ومنطق المعارضة الضيق والمحدود، يصبح أكثر من ضرورة.
الثورة ليست في خطر حقيقي، ولكنها تتطلب
تجديد نفسها، وإلا فإن الثورة المضادة والتي سرقت الثورة، كما فعل الجيش والأخوان
في مصر، ستتكرر في بلادنا. وبالتالي هناك ضرورة سياسية، من أجل تحالفات جديدة،
قائمة على مشروع وطني في كامل نشاطات الثورة ولصالح كل السوريين.
منطق السياسة يدرس مسألة الممكنات، والصراع
السياسي يخاض بقواه الفعلية حقيقة، وبذلك نستطيع القول أن الثورة لم تسرق، ولم
تذهب نحو الخطر الحقيقي، والتالي ستفشل المعارضة، كما فشل النظام من قبل في تشويه الثورة
ودفعها نحو الطائفية والجهادية وسواها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث