ربى المحمد
طفولتهم التي علّقوها على سياج الوطن قبل
أن يغادروه قسراً وقهراً، حملت لهم هنا في مخيمات اللجوء وجعاً آخر، ألماً آخر، لم
يكونوا ليألفوه في أحضانِ الموت المحتّم الذي كان يلاحقهم ليل نهار وهم في الديار.
ها هم أطفال سوريا اللاجئين يهربون في
خيامهم المهترئة من كلّ حبّ أو رحمة، باحثين عمن يلوذون به فراراً هذه المرة ليس
من قصفٍ أو قنصٍ أو دمار، وإنما من قبضة أبٍ يعاني هو الآخر سخطاً داخلياً عنيف،
لا يعلم كيف يتخلّص من سطوته إلا في سوطٍ من العنف يأكل جسد ولده أو ابنته. وربما
إذا أفلت الولد من قبضة الأب القاسي، أو الذي يعاني من خلل نفسي بسبب ظروف الحرب
المريرة، لم يجد ذلك الطفل أو تلك الفتاة مهرباً من صراخ الأم أو غضبها الذي يتحول
أحياناً إلى سلوكٍ عدوانيّ قبيح لا يمكن لأيٍّ منا أن يصدّق أنه صادرٌ من أم اتجاه
ابنها أو ابنتها.
ولكن هذه هي الحقيقة المرّة التي تحاول
الكثير من العائلات السورية اللاجئة في المخيمات التستر عليها، وكتمانها لولا أنّ
بعض الأشخاص العاملين في المجال النفسي الاجتماعي قد تنبهوا إلى هذه الأمور،
ولاحظوها بطريقة ما، إما من خلال سلوك الأطفال الذين يتعرّضون لبعض أشكال العنف
الأسري، أو من خلال شكاوى سريّة تصل إليهم من أحد أفراد عائلة الطفل الذي
يتعرض للعنف الجسدي من قبل أسرته، لكنهم
ورغم كل المحاولات التي يقوم بها هؤلاء المرشدين داخل المخيمات لتأمين الحماية
والرعاية لهؤلاء الأطفال، إلا أنهم غالباً ما يبؤون بالفشل نتيجة صداهم المباشر مع
الأهل الذين يرفضون حتى التعامل والإصغاء لهؤلاء المرشدين الاجتماعيين، ويعدّون
مثل هذا الأمر تدخلاً في شؤون العائلة، حتى أن بعضهم يرفض أصلاً الاعتراف بما يقوم
به من سلوك عنيف تجاه أطفاله. ولعلّ قصة ليلى ابنة الثلاث سنوات هي ما استدعتني أن
أكتب عن هذا الموضوع الذي بات ظاهرة شائعة جداً في مخيمات اللجوء، ظاهرة خطيرة
تطفو على سطح الأزمة السورية لتصبح يوما إثر يوم كالفيروس الوبائي الذي يجب علينا
أن نتخذ كل التدابير والإجراءات القانونية لمكافحته.
ليلى الغضّة كبرعم نديّ واحدة من عشرات
الأطفال السوريين الذين يتعرضون اليوم للعنف الأسري، دون أن يكون هناك من يحميهم
من ذلك، ليلى الصغيرة لم تعرف سنواتها الثلاث من الحياة سوى كفيّ والدها الذي لا
يتوانى عن ضربها بشكلٍ عنيف، بل لم يعرف جسدها الهش من الحنان سوى أسنان والدها
وهي تعضها وتأكل من جسدها الصغير وجعاً وألماً. عندما جاؤوا بها إلينا لم نصدّق ما
شاهدناه من آثار العضّ الوحشية على جسد الفتاة، وإن صدقنا للوهلة الأولى أنه من
فعل إنسان، فأقل ما أمكننا وصفه بأنه مجرم أو سايكوباتي، ولكننا وقفنا مذهولين،
مشدوهين من هول الموقف وأساه وقبحه حين علمنا أن الفاعل هو والد ليلى. واتضح أنّ
والدها يعاني من صدمة نفسية حادة جدا، ولا يقبل أبدا أن يتعاطى العلاج للتخفيف من
حدة سلوكه العدواني العنيف تجاه طفلته الوحيدة، فيما ليلى الصغيرة تعيش رعبها
وخوفها اليومي من هجمات والدها عليها، بينما أمها الحامل بأخيها تعاني في اليوم
آلاف المرات من ضربه وقهره، ولا تستطيع الخروج حتى خارج خيمتها ، إلا وكانت سكين
زوجها لها بالمرصاد، طلبت الأم الانفصال عنه لحماية طفليها، كما حاولت الفرار أكثر
من مرة لكنه كان يعيدها في كل مرة إلى خيمتها مع شتى أنواع الظلم والتعذيب. إنها
واحدة من عشرات الحالات، فمن المسؤول هنا، من المسؤول عن تأمين الحماية لهؤلاء
الأطفال الذين يسومهم أهلهم شتى أنواع العنف؟ من المسؤول عن التحقيق في هذه
القضايا؟ أين هم القائمون على أمن المخيمات؟ ثمة أسئلة كثيرة بحاجة للطرح، بل
بحاجة إلى تحرك سريع في هذا الاتجاه. الحرب في سوريا طويلة، وخلال عامين ونصف تركت
آثارها السلبية الكبيرة على نفوس الجميع، بما فيهم أطفالنا التي سرقت أحلامهم
وطفولتهم، فمن يحميهم الآن من أثار ذلك العنف الجديد الذي يلاحقهم في خيامهم
الخاوية من كل روح. من سيحميهم من ذلك العنف الذي سيؤثر على صحتهم الجسدية
والنفسية على المدى القصير والطويل، ويضعفهم قدرتهم على التواصل والاندماج مع
مجتمعهم وخاصة في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي يعيشها السوريون، كما يؤثر على
انتقالهم إلى مرحلة البلوغ مع آثار سلبية لاحقة في الحياة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث