الرئيسية / رأي / من يحتلّ مستقبل سوريا؟

من يحتلّ مستقبل سوريا؟

ياسر
الأطرش

كانت
الثورة المعجزة أخيراً، بعد عقود حجّمت شخصية السوري وسجنت آماله واختصرت حاضره
ومستقبله بالممكن الذي يشبه اللاشيء.. أورث الآباء خوفهم وذلهم لأبنائهم، ربونا
على ثقافة “الحيطان لها آذان” .. و “اليد التي لا تقدر عليها
بوسها” .. وسلسلة تطول من مبررات الذل والخنوع والرضا بالقهر، إلا أن الحركات
والتحركات السياسية الخجولة استطاعت أن تنفذ إلى قلوب البعض وعقولهم، الثمن الذي
دفعه شهداء الثمانينات ومعتقلو الرأي يمينيين ويساريين ووسطا، ربّانا نعم، ولكنه
كان أيضاً حافزاً مضمراً ومارداً نائماً قابلاً للتمرد في زمان لا شك أن
“البوعزيزي” وناره أسهما في تعجيله وإنضاجه. الثورة ليست فعلاً آنياً
ولا ردة فعل ولا طفرة، لم تكن ولا يمكن أن تكون، إنها تراكم تفاصيل طويل، يتراكم
وينسجم ويتنامى، ولكل ثورة أوان .. والمحيدون عنها لا ينتظرون إلا اكتمال تفاصيل
ربما استطاعوا تأخيرها، إلا أنهم لن يستطيعوا إجهاض مخلوقٍ لا يُرى إلا بعد
ولادته..

وكان
أن وُلدت الثورة المعجزة في سوريا، مكتملة التفاصيل واضحة الرؤيا عاقدة العزم على
مطلب الحضور والوجود .. معلنة أن “الحياة” هدفها، لا “العيش”
الذي منحه ووهبه وتفضل به الدكتاتور على الشعب المجيد، ( إنهم لا يسمحون لنا
بالحياة ولا حتى بالموت، إنهم يسمحون لنا بالعيش فقط) مقولة للساخر العميق عزيز
نيسن اختصر ولخص بها حال شعوبٍ سُمح لها بالوجود لتخدم “أربابها” وتحفظ
وجودهم العالي فقط ..

وأما
الثورات في ظروف دول ودكتاتوريات كهذه فأثمانها مضاعفة وغالية، يدرك أبناؤها ذلك،
وقد قبلوا المهر وتقدموا لخطبة الحرية واثقين، واثقين بأن المستقبل لهم إن ما
استطاعوا بناء حاضر رغيد، لا بأس من البدء بعملية البناء التي تسمح بتراكم طبيعي
وتطور منطقي يفضي إلى مستقبل مخلص للحياة الحقة التي سينعم بها جيل أبنائهم الذي
سيتربى على قيم مغايرة، قيم حرية وعدالة وسيادة قانون تتيح له الانطلاق أسرع نحو
المستقبل مستعيناً بتراث ليس من حكايا، بل من إنجازات سياسية واقتصادية واجتماعية
صالحة للبناء عليها..

الأثمان
كلها دُفعت، وربما بل بالتأكيد تجاوزت بكثير الاحتمالات والافتراضات، الشعب السوري
وحده هو من دفع من دمه وحضوره وتراثه، الشعب السوري قَبِلَ المجازفة بماضيه وحاضره
من أجل مستقبله، ولكن .. عندما توضحت الإنجازات وصارت في المتناول، وصار الحديث عن
مناطق محررة واقعاً، وعندما بدأ السوريون فعلاً بناء مجتمعهم المدني وسط معمعة
المعركة، جاء اللصوص وتنادوا من كل حدب وصوب، من الداخل والخارج، فقد نضج الحقل
وصارت حنطة الحرية قابلة للقطاف.. آخر ما يمكن أن يكون مؤثراً أو موجعاً لمستقبل
سوريا لصوص النفط أو الخبز أو الإغاثة أو .. إنهم لصوص موجعون لحاضر الثورة، أجل،
ولكنهم مرحليون زائلون بالضرورة.. اللصوص المخيفون هم من جاؤوا لسرقة مستقبل سوريا،
غير عابئين بغنيمة حرب أو مكسب نفط تافه، جاؤوا ليسرقوا الدم ويبنوا على شرعيته
زيفاً يحكم المستقبل بالسواد، مشاريع تقسيم تتعاطى معها طوائف وأقليات بجدية،
مسنودة بدول لا يناسبها استقرار الوطن السوري بحال، جماعات مجهولة الهوية
والانتماء والهدف، جاءت بعد اكتمال عرس التضحية لتحصد أمجاد الدم، كل ما لديها
قطعة قماش تحمل شعاراً براقاً ، البعض أسفر عن وجهه ووجهته، فتسمية
“دولة” تؤكد بوضوح وبلا شك أن الهدف لن يكون بناء وطن للجميع، ولا
المشاركة في حياة سياسية وتقاسم الأعباء والاحتكام للقانون .. إنها جماعات محتلة
بكامل المعنى، فالمناطق التي حررها أبناؤها والتي عانى أهلها كل أنواع الموت
والتشرد والهلاك ، دخلوها أخيراً ليقطعوا رأس المحرر ويبسطوا “سلطة
الله” عليها، الشعب السوري الذي فتح للإسلام في مهده أبواب دمشق، واحتضن أول
حضارة إسلامية أخضعت العالم وصبغها بكثير من صبغته، جاؤوا اليوم ليعلموه دينه،
ويفرضوا عليه بالسيف حكم الله!! وأين كانوا لما انتهك الأسد الأب كل مقدسات الله،
وخاض في دم السوريين وأعراضهم وحرم عليهم شعائر الله.. أربعين عاماً لمّا ترتفع
راياتهم، ولم يُعلن الجهاد على من كان يحق ضده الجهاد بل هو فرض، الآن .. ألآن وقد
ولج السوريون عوالم حريتهم أو كادوا، جئتم تنادون بالحصاد؟.. معكم حتى اسم دولتنا
الجديدة، حتى هذا لم تتركوه لخيارات الشعب الذي ضحى..فهل سيُترَكُ لكم أن تفعلوا
؟؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *