الرئيسية / تحقيقات / كرد سوريا والنرد الأخير لطاغية دمشق

كرد سوريا والنرد الأخير لطاغية دمشق

مصطفى إسماعيل

انضم الكرد إلى الثورة السورية ضد بشار منذ بدايتها, من خلال
التظاهرات التي نظمها الشباب الكردي في غالبية المناطق الكردية السورية, وكثيراً
ما كانت تشاهد تظاهرات قامشلو وعامودا وكوباني الصاخبة على شاشات الفضائيات مثل
الجزيرة والعربية وغيرها، إلى جانب التظاهرات التي كانت تشهدها ليبيا واليمن حينها.

بذل نظام بشار الأسد جهوده منذ بداية الثورة لتحييد المكون الكردي
وإبعاده عنها, أولى خطواته في هذا السياق كانت عبر التوجيه الرسمي بمشاركة ممثلي
النظام المحليين لمحافظتي حلب والحسكة في احتفالات عيد نوروز التي شهدتها المناطق
الكردية يوم 21 مارس / آذار 2011.

وقد استمرت محاولات النظام في هذا السياق بلقاء بشار الأسد في 10
أبريل/ نيسان بعض زعماء العشائر الكردية والوجهاء الاجتماعيين في منطقة الجزيرة,
وقد أعقب اللقاء في اليوم التالي 11 أبريل/ نيسان إصداره المرسوم التشريعي رقم /
49 / والقاضي بـ ” منح المسجلين في سجلات أجانب الحسكة الجنسية العربية
السورية “, في إنهاء لمشكلة الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 والذي جرد بموجبه
آلاف الكرد من الجنسية السورية, وقد قوبلت الخطوة بلا مبالاة كردية, لمعرفتهم أن
المرسوم مجرد محاولة بائسة لرشوتهم لينأوا بأنفسهم عن الثورة المندلعة في البلاد,
أتبع النظام ذلك في يونيو / حزيران بدعوة رؤساء الأحزاب الكردية الناشطة في البلاد
إلى اللقاء برأس النظام, وقد قبلوا الدعوة بداية لكنهم اعتذروا عن اللقاء لاحقاً تحت
ضغط الشارع الكردي الثائر, وكان البعض منهم قد توجهوا بالفعل إلى العاصمة دمشق
حينها تمهيداً للقاء.

رشح عن لقاء بشار الأسد يوم الجمعة 9 أغسطس / آب بوفد من الحزب الشعب
الجمهوري التركي المعارض أنه نقل إلى زائريه توقعه بقرب قيام دولة كردية في
المنطقة, هذا التصريح الذي يتخذ طابعاً تحذيرياً, سيما وأنه قيل لوفد حزب تركي
يعارض سياسة الحكومة لتركية في الملف السوري جملة وتفصيلاً قد يكون حاملاً
لاحتمالات أخرى, مع إشارة بعض الصحف التركية في الفترة القريبة الماضية إلى ترحيب
بشار الأسد بسعي الكرد السوريين لإقامة إدارة ذاتية مؤقتة في مناطقهم, واستعداده
لإعلان الإدارة الذاتية في المناطق الكردية السورية بنفسه من خلال تصريح رسمي يوم
19 يوليو / تموز وهو الأمر الذي لم يتحقق.

حول حديث بشار الأسد عن قرب قيام دولة كردية في المنطقة تجمع كرد العراق
وسوريا استطلعت ” صدى الشام ” آراء عدد من السياسيين والكتاب والنشطاء
الكرد السوريين :

يقول طارق حمو, كاتب وإعلامي أن : ” التصريح جاء في إطار سياسة
تخويف المعارضة التركية، والرأي العام التركي تالياً من تطورات الوضع الكردي في المنطقة
عموماً, فالأسد سبق وأن دعا تركيا قبل سنوات إلى التروي في حل القضية الكردية داخل
تركيا نفسها، لأن هذه القضية “شأن اقليمي يخص سوريا أيضاً”, وما تصريحه إلا
محاولة للعب مجدداً في هذا الملف، ودعوة للأوساط التركية المتطرفة إلى توثيق علاقاتها
مع الأسد على قاعدة “الخطر الكردي” الجديد. إنها دعوة جديدة للتعاون وتفعيل
“اللجنة الثلاثية” التركية السورية الإيرانية لمجابهة تطلعات الشعب الكردي,
لكنها دعوة طرف ضعيف غارق في الحرب الأهلية، ويريد يائساً تصحيح المعادلات الجديدة
التي برزت مؤخراً، وفي مقدمتها النهوض الكردي القومي
“.

يؤكد طه الحامد, سياسي كردي أن : ” بشار الأسد وخلال السنتين الأخيرتين أشار
مراراً إلى قيام الدولة الكردية, وخاصة للصحافة التركية, في محاولة منه لإثارة التيارات
القومية الكمالية في تركيا, والتلويح للحكومة التركية بأن سورية التي وقّعت اتفاقية
أضنة الأمنية ضد الكرد، وسلمت زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، هي نفسها
القادرة الآن على المساعدة في إنشاء دولة كردية تمتد من كردستان العراق الى حدود لواء
اسكندرونة “.
لكنه يعرب عن اعتقاده
بأن بشار الأسد ”
لم يكن يوماً مع الحقوق القومية للشعب الكردي, وهو لم يلغ اتفاقية أضنة
والإتفاقيات الأمنية مع تركيا الموجهة ضد الشعب الكردي في البلدين, وعليه فهو مستعد
أن يضحي بكل الكرد مقابل فك الخناق عنه. وبنفس الوقت هو مستعد للمساعدة في إنشاء دولة
كوردية تمهيداً ومقدمة لإعلان الدولة العلوية إذا تطور الصراع
أكثر “.

يتذكر فاروق حجي مصطفى, كاتب, تصريحات روسية في هذا السياق : ” أنا أشبّه تصريح بشار الأسد بالتصريح الذي
أطلقه الروس في بدايات الثورة السورية, حيث قالوا بأن الكرد يهددون الوحدة السوريّة,
وكان ذلك بمثابة رسالة للأتراك, لتخويفهم, ولكي لا يدعموا الثورة, لأن ذلك لا يفيدهم,
إنما يضعهم في مهب الخطر الكردي “. وينظر إلى موقف بشار الأسد على أنه في
الخانة نفسها قائلاً : ” ويبدو أن بشار الأسد يريد أيضاً إرسال رسالة مشابهة من
خلال هذا التصريح, وأن يخيف الأتراك وخاصة المعارضة التركية ودفعها للضغط على حكومة
أردوغان لعدم إيواء المعارضة السورية, لأن تفاقم الصراع يعني تعزيز الكرد مواقعهم الدفاعية,
وتالياً تجنيب تركيا التورط أكثر في أوحال الأزمة التي تشهدها سوريا “. ويشكك
حجي مصطفى في انحياز بشار الأسد إلى دولة كردية في المنطقة ” لو كان بشار يريد
حصول الكرد على حقوقهم لأصدر مرسوماً ينقل بموجبه الكرد من وضع إلى آخر, أو على الأقل
لذكر حقوقهم في الدستور الذي أصدره قبل عام ونيف “.

ويقرأ مروان عثمان, كاتب وسياسي, دوافع تصريح بشار الأسد للوفد التركي
كالتالي : ”
يريد
بشار الأسد من ذلك أولاً الدفع باتجاه إعادة فتح العلاقات مع الدول والمنظمات والمكونات
السياسية والإيديولوجية التي تقف بالضد من الطموحات الكردية المشروعة, وثانياً الإثبات
بأن ما يقوم به من قمع وحرب معلنة ما هي إلا من أجل الحفاظ على وحدة سوريا ومنع تشظي
سوريا إلى كيانات قومية ودينية وطائفية, لأن بشار الأسد يعلم تماماً أن لا مصلحة لأحد
من الدول الإقليمية ومراكز القرار العالمية الآن على الأقل في تغيير الجغرافيا السياسية
لسوريا، ويحاول من خلال هكذا تصريحات استجداء تخفيف الضغط الإقليمي والدولي عن نظامه,
وتصوير قمع النظام وكأنه للحيلولة دون تفتيت سوريا “.

أما إبراهيم بوزان, عضو اللجنة السياسية في حزب آزادي الكردي – سوريا
( جناح مصطفى جمعة ) فيرى أن تصريح بشار الأسد في هذا الوقت : ” هو لخلط
الأوراق,
ومحاولة
لإيقاع الفتنة بين أبناء المجتمع السوري, فمن كان ينفي وجود الكرد لا يمكن له أن يكون
مع إقامة دولة كردية “.

بينما تستغرب لافا درويش, مقدمة النشرة الإخبارية الكردية في أورينت, حديث
بشار الأسد عن دولة كردية : ”
حتى وقت قريب كان نظام الأسد ينظر إلى الكرد كخنجر
في خاصرة الأمة العربية, و كانت الأنظمة السورية و الإيرانية و التركية تجتمع بشكل
دوري, بالرغم من خلافاتهم, و يتفقون ضد الكرد, والآن نرى هؤلاء الأصدقاء الأعداء يدَّعون
أنهم يقفون بجانب الكرد وقضيتهم. إذن فإن الأسد الذي استكمل سياسات أبيه في قمع الكرد
وملاحقتهم ومحاولات طمس هويتهم عن طريق المشاريع التمييزية والقتل والاعتقالات, ورغم
استنزافه لقواه وتخبطه لا يزال يحاول اللعب على كافة المستويات, ومنها تحييد وخداع
الكرد, كما فعل في بداية الثورة السورية حين أعاد الجنسية السورية للكرد المحرومين
منها على مدى عقود “. وتميل لافا درويش إلى الاعتقاد بأن التصريح الأخير
لبشار يندرج في خانة ” استقطاب الذين لا مصلحة لهم في قيام الدولة الكردية و الذين
يعادونه الآن ليقفوا إلى جانبه عبر تلويحه بخطر قيام دولة كردية في المنطقة
“.

يتساءل رديف مصطفى, المحامي والناشط في حقوق الإنسان, في معرض قراءته
لتصريح بشار : ”
هل يحق للديكتاتور ابن الديكتاتور الحديث عن سوريا أو مستقبلها أو مستقبل
أحد مكوناتها كالشعب الكردي بعد عقود من الاستبداد والشمولية والانتهاكات لتصل إلى
حد ارتكاب المجازر والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب, وعندما يأتي الحديث عن الكرد
السوريين ترجع بي الذاكرة إلى عهد الطاغية الأكبر المقبور حافظ الذي مارس جميع السياسات
العنصرية ضد الكرد وأنكر عليهم حقوقهم الطبيعية كبشر وأهمل مدنهم وقراهم, أتذكر
عام 2004, أتذكر الإحصاء والحزام وتعريب البشر والأمكنة “. معرباً عن اعتقاده
بأن المعتوه بشار الأسد ” ليس هو الشخص المناسب أصلاً للتحدث عن الكرد أو قضيتهم
العادلة والمشروعة, فهو مجرد طاغية اغتصب الشرعية لفترة, والآن لايعدو كونه رئيساً
لعصابة “.

غير آبهٍ بتصريح بشار الأسد الأخير يوجز كيلو عيسى, عضو اللجنة
المركزية في الحزب الديمقراطي الكردي السوري, رؤية حزبه العضو في المجلس الوطني
الكردي والمتحالف مؤخراً مع حزب الاتحاد الديمقراطي
PYD سياسياً وعسكرياً كالتالي : ” نحن نرى أن التفكك الحاصل يضر بالصالح العام
لمختلف المكونات المتعايشة سوياً, ومطلبنا نحن المكون الكردي هو ضرورة الاعتراف الدستوري
بوجود الشعب الكردي في سوريا كمكون أساسي من مكونات الدولة السورية, بيد أنه في الآونة
الأخيرة تعالت بعض الأصوات مطالبة بالانفصال, وهذا مرده لقصر النظر السياسي لبعض الأطراف,
أو يأتي ردة فعل على ممارسات بعض القوى في المعارضة العربية السورية وبعض أذرعها العسكرية،
وإسلامية التوجه منها خاصة التي لا تستطيع استيعاب قضية الشعب الكردي, ونتيجة لوجود
فراغ أمني في المنطقة الكردية فنحن من حقنا تشكيل إدارة مؤقتة لمناطقنا إلى حين استقرار
الوضع السوري العام وتشكيل النظام السياسي الجديد ومن خلال هذا النظام والعقد
السياسي – الاجتماعي الجديد سنطرح الرؤية السياسية العامة لنا ككرد سوريين “.

يشار إلى أن مطالب كرد سوريا طيلة عقود قبل الثورة السورية اقتصرت على
ضرورة اعتراف النظام الحاكم بوجود الشعب الكردي وحقوقه القومية في إطار وحدة
البلاد وقد تبلورت هذه المطالب خلال الثورة السورية إلى مطالبة المجلس الوطني
الكردي ( إطار سياسي يضم 15 حزباً وعدد من التنسيقيات والشخصيات المستقلة )
باللامركزية السياسية وحق تقرير المصير للكرد في إطار سوريا في مؤتمره الأول عام
2011 ثم اعتمد في مؤتمره الثاني عام 2013 مطلب دولة اتحادية لكل السوريين, فيما
يدعو حزب الاتحاد الديمقراطي
PYD إلى الإدارة الذاتية الديمقراطية للمناطق
الكردية السورية في إطار وحدة الأراضي السورية, وقد بدأ قبل فترة وجيزة بالعمل
الجاد لتحقيق رؤيته السياسية من خلال إصداره مسودة دستور أسماه ” العقد
الاجتماعي في غربي كردستان “, وقد تباحث رئيس الحزب صالح مسلم حول المشروع مع
المسؤوليين في تركيا وإيران خلال زيارتيه إلى البلدين مؤخراً, ولا نغفل أن الكتلة
الوطنية الكردية في المجلس الوطني السوري تعتقد أن حل القضية الكردية في سوريا يتم
من خلال وثيقة العهد الوطني لسوريا الجديدة الصادرة في مارس/ آذار 2012.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *