مرهف دويدري
بدأت الأزمة السورية تولد أزمات جديدة، تنذر بطول أمد هذه الأزمة المستعصية
على الحل النهائي، الذي يبدو أنه لن يكون في الأيام القليلة المقبلة، ولعل الأصابع
الخارجية التي تدخلت وعبثت في ذهنية
الثورة، استطاعت أن تدمر الفكرة الأهم للثورة السورية، وهي إسقاط النظام وبناء
دولة مدنية ديموقراطية، على أساس أن الشعب السوري واحد بكل مكوناته من أقليات، ثم
تخويفها، وقوميات خونها النظام، وأكثرية عانت من الاضطهاد على مدى عقود، ولعل خلط
الأوراق بين هذه المكونات قد أدى إلى فقدان الثقة بين كل الأطراف، و بدأ بشكل
والآخر الانسحاب إلى الطائفة أو القومية، سواء أكان من اليمين، أو اليسار، أو اللبيرالي
..
لعل التدخلات الإقليمية في الأزمة السورية جعلتها تتمدد على مستوى الإقليم،
لأن الأيدي العابثة في الأزمة لابد من أن تتأثر بلهيب الأزمة، وبات كلنا على علم أن
حزب الله قد خسر جمهوره العريض في تدخله القاتل في الأزمة السورية، وانتقل من خانة
المقاوم إلى خانة المقاول، أي يقاتل بالمقاولة و يقبض على كل المعركة تأييد
الطائفة له، و طبعاً إيران التي بدأ فيها الاقتصاد يدخل في مرحلة الركود والتراجع
النسبي بعد العقوبات الدولية، بعد أن كانت
قد حاولت تحسين ظروف التفاوض على برنامجها
النووي بالدخول في الأزمة السورية، وهذا ما جعل الأمر يتعقد بشكل أكبر في الاقتصاد
الإيراني، مما حدا بالمرشد الثوري أن يأمر بتغيير قناع الرئيس من متطرف إلى إصلاحي،
على أن يكون من المؤسسة الدينية أي ضمن شروط الطاعة الدينية للمرشد الأعلى التي
تربى عليها في “قم”، المعقل الأساسي لتخريج ساسة إيران .
اليوم.. وبعد تصريحات رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، تتدخل في
الأزمة السورية أصابع جديدة كانت على الحياد طوال فترة نشوب الثورة، وإن تدخلت
فلأسباب إنسانية، مثل فتح المعابر للاجئين أو غير ذلك؛ تصريحات البرزاني كانت
مدوية إلى درجة فاجأت الجميع، فقد أوضح تماماً أنه في حال تعرض الأكراد في سورية
لهجمات إرهابية، فإنه سيتدخل لحماية أكراد سورية من التكفيريين.
لعل تصريحات البرزاني المفاجئة
للجميع تأتي في سياق ترتيبات إقليمية، الهدف من ورائها استغلال الوضع المأسوي للأزمة
السورية، وإشعال الفكرة القومية لكسب تأييد أنصاره في كردستان العراق، وأعتقد أن
هناك عدد من المسائل يمكن أن تدخل في تفسير سبب هذه التصريحات..
أولها أن زعيم حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي او ما يطلق عليه / pyd / صالح مسلم المحمد، واستطاع أن يحصل على موافقة
النظام السوري على الإدارة الذاتية لإقليم غرب كردستان، ودخوله بمفاوضات مع تركيا،
التي ربما تحفظت على الفكرة خوفاً من وجود كيان كردي لا تنسق معه.
ومعلوم أن الإدارة التركية ورئاسة إقليم
كردستان العراق، وخاصة مسعود البرزاني على وفاق، وربما تحالف! فكان هذا التهديد لإنهاء
هذا الكيان الذي ربما يخرج عن إرادة إربيل
أما المسألة الثانية، فهي أن هذا التدخل جاء على خلفية طلب حكومة المالكي
من حكومة الإقليم – بعد التوافق الذي حصل منذ فترة قصيرة على طريقة توزيع النفط –
التدخل، و لو إعلامياً لوقف زحف التيار الإسلامي إلى هذه المنطقة التي هي أصلاً
منطقة نفطية، و طبعاً إيران من وراء المالكي، على الرغم من التصريحات الإيرانية الإعلامية
أن من حق أكراد سورية إقامة منطقة إدارة ذاتية لإدارة شؤونهم..
و لعل البرزاني يدخل في هذا الوحل الإعلامي لكسب تأييد أنصاره، ومنهم على
الحياد في كردستان – وهذا ما أؤيده – خصوصاً بعد المعركة السياسية التي دخلتها
كردستان على التمديد لرئيس الإقليم، ولعل العراك الذي وقع بين أعضاء برلمان الإقليم
من حزب الديموقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني هو دليل على تفاقم هذه
الأزمة الداخلية التي انتهت بالتمديد له على مضض، وبدون مسوغات ديموقراطية، حسب
تعبير بعض رجالات المعارضة الكردية التي كانت تمني النفس بانتهاء ولايته، والدخول
في انتخابات رئاسية بعد التسريبات عن تولي البرزاني رئيساً للعراق خلفاً للطالباني
زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، إلا أن على ما يبدو البرزاني أراد أن يبقى
رئيساً للإقليم، فكان لابد من الدخول في أزمة خارجية قومية من ناحية كسب التأييد،
ومن ناحية ثانية إحراج المعارضة لأن المسألة تتعلق بالقضية الكردية.
أعتقد أن لهيب الأزمة السورية أحرقا أصابع العابثين فيها، وبدأت تتمدد إلى
دول الجوار من خلال أفكار انتقامية حيناً، وجهادية حيناً آخر .. و تفجير سيارة
مفخخة في الضاحية الجنوبية قرب مجمع سيد الشهداء الذي كانوا يهيئونه للاحتفال بعيد
النصر السابع لحرب تموز، هو رسالة على أن من يفجر في قلب الضاحية، قادر على الوصول
إلى أبعد من ذلك .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث