عمار الحسن – غازي عينتاب
ضرب الزلزال المدمر في السادس من فبراير الماضي تركيا وشمال سوريا، على أثره تضرر الكثير من السوريين والأتراك وترك وراءه دمار وخسائر بشرية كبيرة، تنوعت المعاناة والتحديات التي عانوها المتضررين منهن من خسر أطرافه ومنهن فقد أهله بالكامل، ولكن كانت النساء هم النسبة الأكثر ضرراً لما عاشته من أزمات سابقة في سوريا لتليها هذه الفاجعة، فقدت أفراد أسرتها، المأوى، الممتلكات وصولاً إلى الحالة النفسية والصحية وهذه ما يُضاعف معاناتهن ويجعلهن أكثر عرضة لمشاكل وتحديات من نوع آخر، تهدد سلامتهن وحياتهن.
“كل الذي تمنيته أن يبقى لدي شخص من عائلتي”.
هذه الجملة التي كانت تكررها ك.ص امرأة سورية في الخامس والثلاثين من عمرها أم لثلاثة أطفال مقيمة في انطاكيا حيث تقول: عند حدوث الزلزال لم نكن نتوقع انه بهذه القوة ظنناه كالهزات التي كانت تحدث سابقا، عندما بدأت الهزة تقوى أكثر ذهبت لكي ايقظ اولادي من النوم، نزل زوجي واولادي وأنا كنت ارتدي غطاء الصلاة، هنا لم اعد أدرك ما الذي يحدث استيقظت وسط الغبار كان أحد ينتشلني من تحت الأنقاض، عندما عدت إلى وعي أصبحت ابحث عن زوجي واولادي”. قطع حديثها تنهيدة لتتابع قائلة: ” كنت أتمنى لو بقي أحد من عائلتي، وجدت زوجي واولادي بين الجثث.
أعلن مسؤولون أتراك “أن إجمالي عدد المتضررين من الزلزال بلغ 13 مليون شخص. بعد هذه الزلازل قتل أكثر من 45 ألف شخص في تركيا. تشير التقديرات إلى أن هناك مليون و700 ألف لاجئ سوري تضرروا من الزلزال في تركيا.”

تأثير الزلزال على السوريين
بعد التشرد والهجرة الذي عاشوه السوريين، نهضوا من جديد وبدأت حياتهم بالاستقرار نوعاً ما، جاء الزلزال المدمر وضرب المناطق المتواجد بها نسبة كبيرة من السوريين، ليغير مسار حياتهم بشكل كامل.
تقول المرشدة التربوية والأسرية هناء غضبان: حدث الزلزال في المناطق الذي يوجد بها نسبة كبيرة من السوريين, وهم من البداية ليس لديهم دخل مادي جيد، بعد حدوث الكارثة عادت العائلات إلى درجة تحت الصفر، ومن الناحية النفسية نحن كمبادرة بلسم نعمل عليها، ترك الزلزال أثر كبير على نفسية الجميع الأطفال، النساء والرجال كونهم فقدوا كل شيء منهم من فقد عائلته ومنهم من فقد أحد أعضائه، كذلك فقدو الأمن و الأمان ومنازلهم و وطنهم دون السوريين أصبحوا يعتبرون تركيا والمناطق التي سكنوا بها هي وطنهم.
وتفيد غضبان: عندما زلت الناس في المشافي التي نقلت إلى اسطنبول الأشخاص الذي كانت لديهم إصابات صعبة جداً مثل مبتوري الأطراف والأشخاص اللذين لديهم إصابات كبيرة جداً في جسدهم، كان الوضع جداً جداً صعب لأن هناك أشخاص فقدوا كل عائلتهم، فكل كلمات المواساة التي ممكن أن نتحدث بها لأنهم كانوا متألمين من كل النواحي، وبالرغم من كل الذي تحدثت عنه من مأسي إلى أن الله أنزل على قلبهن السكينة والقوة والظروف التي مرت عليهم في سوريا أعطتهم شيء من الثبات ليستموا في هذه الحياة فكان قسم كبير منهم يدعمون انفسهم ليتعافوا بشكل أسرع و ينهضوا من جديد، رغم أنني كنت أرى أنه لا يوجد أي شيء يستندوا عليه لا صحة لا أقارب لا مال، والمقابل كان هناك أشخاص محبطون وكانوا يرفضون العلاج.
وتضيف غضبان أما بعد مرحلة العلاج: الأثر كبير والمشوار طويل ويحتاج الكثير والكثير من الصبر، لأن هناك نسبة كبير من الأشخاص فقدوا اطرافهم ويحتاجون إلى وقت حتى يتأقلموا مع أطرافهم الاصطناعية الجديدة، وفقدوا منازلهم لم يعد لديهم مأوا فكان الجميع في حيرة من أين سنبدأ ماذا سنفعل، فليس من السهل البدء في حياة جديدة وهم بحاجة إلى دعم كبير من المنظمات والمؤسسات حتى يستطيعوا النهوض من جديد.
تزايد الصعوبات على النساء الحوامل
” أصعب أيام حياتي هي التي قضيتها تحت الأنقاض مع طفلي”.
تقول م.ط في السادسة والعشرين من عمرها مقيمة في انطاكيا: هكذا بدأت م.ط حديثها ثم أكمل حديثها قائلة: “قبل يوم واحد من حدوث الزلزال انجبت طفلتي لم أستطع الخروج من المنزل عند حدوث الزلزال، بقيت 3 أيام تحت الأنقاض كانت طفلتي تتناول الحليب وتعود الى النوم، كانت من الأيام الصعبة، ولكن كانت يأتيني قوة والصبر لا أعلم من أين، ثم أتوا رجال الأنقاض واخرجوني أنا وابنتي.
بحسب صندوق الأمم المتحدة، هناك أكثر من 214 ألف امرأة حامل من بين 15 مليون شخص متضرر في تركي.
وأكدت اليونيسف أن 4.6 مليون طفل يعيشون في المحافظات التركية التي ضربها الزلزال، وقد تضرر أكثر من 2.5 مليون طفل في سوريا.
وحسب ما قالت الاختصاصية الاجتماعية والنفسية عائشة عبد المالك: أثر الزلزال على النساء السوريات بشكل كبير جداً، لان المرأة هي المسئولة عن أسرتها، أولادها وتنظيم مستلزمات المنزل وفي لحظة ما فقدت نسبة كبيرة من النساء جميع هذه الأشياء.
النساء في المخيمات
تقول سبال العلي في الخامسة والعشرين من عمرها: عند حدوث الزلزال رأينا المودة والرحمة في قلوب العالم ما زالت موجودة، هناك خيم ومنازل تضررت لذلك أصبحت العالم تجمع بعضها وفي كل خيمة كان يجلس بها أربع عائلات.
وتؤكد العلي، أن في الأسبوع الأول من الزلزال كانت الناس جميعها تبحث عن الأشخاص المفقودين، وكان الدفاع المدني يذهب إلى الخيم بحثاً عن الناس التي بقيت حتى يتم تسليم الجثث ليتم تسليمها لعائلتها، من أصعب المواقف التي رأيتها كان في المخيم امرأة مسنة تقيم مع أولادها في الخيم بعد حدوث الزلزال جلب الدفاع المدني جثث أولادها للتعرف عليهم، تمنت لو انها هي التي كانت ضحية الزلزال وليس أولادها.
تقول ح.أ منسقة حلقة المرأة بمؤسسة شباب التغيير: بفترة الزلزال كان هناك جلسات توعية ودعم نفسي للتخفيف من الضغوط التي عانت منها النساء بعد كارثة الزلزال، اثناء الجلسات يتم الافصاح عن حوادث العنف التي تعرضوا لها، ونحن نقدم جلسات دعم نفسي ونوصل المتضررات بأشخاص مختصين بأقرب منطقة لهن.

وتقول الاء جمعة منسقة مبادرة “هنا لأجلكم”: النساء والزلزال هم أثر الفئات التي تضررت في الزلزال لذلك أقمنا مبادرة هنا لأجلكم التي كانت على مدار شهرين، عملنا على معالجة الصدمات والتخفيف من الحالة النفسية من خلال فعاليات وجلسات دعم نفسي لهم.
اضطرابات مع بعد الازمة

م.ق في الثلاثين من عمرها أم لثلاثة أولاد، تقول م.ق: عند حدوث الزلزال كنت ما زلت مستيقظة، ولكن كان زوجي واولادي وامي نائمين، سرعان ما أيقظتهم من النوم حمل زوجي الأولاد ونزل بهم من الطابق الثالث، وانا مسكت بيد امي ونزلنا امي امرأة كبيرة في العمر كانت جداً صعب نزولها على المصعد، عندما نزلنا كنا نسمع أصوات بكاء الأطفال والامهات واصوات الحيطان المصعد التي كانت تتشقق والغبار الذي كان ينزل علينا.
تتابع م.ق: بقينا أسبوع في السيارة لم يعد لدينا القدرة على تحريك ارجلنا بسبب ضيق المكان والبرد الشديد، بعدها ذهبت إلى إسطنبول لمدة أسبوعين بعدها عدت إلى غازي عينتاب، لم اتقبل فكرة العودة إلى منزلي لان لمدة شهر كامل لم تكن الأصوات تخرج من اذني وكنت دائماً أشعر بالدوخة وكأن المكان يهتز من حولي.
يقول جعفر القيم دكتور في مراكز الرعاية الصحية الأولية: يحدث الزلازل الشديد تأثيرات عديدة قد تكون آنية كهدم المباني فوق ساكنيها أو السقوط وبعض الإصابات قد تسبب الموت
بشكل سريع نتيجة للإصابات الرضية الناتجة عن سقوط الجدران أو الأثاث كالكسور الشديدة والتمزقات أو النزيف، ويحدث بعد الزلازل متلازمة الدوار
Post-earthquake dizziness syndrome (PEDS)، هي شعور الشخص بالدوار والتأرجح في وقت لا تكون فيه هزات ارتدادية فعلية وهي يزيد التوتر والقلق من خلال تذكر الزلزال وقد توصف بشعور مماثل للهزات الحقيقية، وصفت لأول مرة من قبل علماء يابانيون بعد زلزال عنيف حدث في كوما موتو اليابانية عام 2016.
حيث وجدت الدراسة أنّ التأثيرات المرتبطة بالزلازل تؤثر بشكل كبير على أعراض الأذن الداخلية والوظيفة اللاإرادية والعوامل النفسية، وقد يتأثر عدم التوازن الناجم عن الزلازل بالضغوط الجسدية، بما في ذلك الاضطرابات الحسية الناجمة عن اهتزازات الزلزال، والتغيرات في الظروف المعيشية، والإجهاد اللاإرادي، يحرض شعور الدوار أكثر في وضعيات الجلوس والراحة وعند التواجد في الأماكن المغلقة ويقل في حالة المشي والتواجد في الخارج، حيث يعاني نحو 30% من السكان في المناطق المنكوبة من متلازمة دوار ما بعد الزلزال وتتلخص الأعراض كما يلي: تأرجح وهمي في الجسم (يستمر أقل من دقيقة واحدة ولعدة مرات بعد الزلزال)، الشعور بتأرجح القدمين، اضطرابات النوم، طنين الأذن/ امتلاء الأذن، القلق، التعرق، اضطرابات بولية، اضطرابات الرؤية والتقيؤ.
ويذكر القيم علاج متلازمة دوار ما بعد الزلزال: في أغلب الأحيان تزول الأعراض تدريجياً مع الوقت، ولكن يمكن تخفيف الأعراض من خلال ما يلي: ممارسة الرياضة (في الهواء الطلق) تساعد في تخفيف القلق المرتبط بذاكرة الرعاش في الدماغ، تدريب عين الشخص من خلال جعلها تركز على شيء بعيد، الابتعاد عن الصور والمقاطع التي تذكر بالحدث
وفي الحالات الأكثر شدة قد يُنصح المرضى باستخدام مضادات الهيستامين التي لا تستلزم وصفة طبية، والتي تُعرف أيضاً باسم حبوب دوار الحركة مثل Dimenhidrinat أو Hidroksizin، في الحالات الأكثر خطورة قد تؤثر على النشاطات اليومية وهنا يحدث اضطراب ما بعد الصدمة نتيجة زلزال كبير وقد تستمر لأسابيع أو شهور، هنا يحتاج لمراجعة طبيب نفسي لتقييم الحالة وقد توصف الأدوية المضادة للقلق أو مضادات الاكتئاب حسب شدة الحالة وتأثيره”.
امراض أصبحت تنتشر بعد حدوث الزلزال
يقول القيم: يزداد انتشار الأوبئة والامراض المعدية في الفترة ما بعد الزلازل أو الكوارث الطبيعية بشكل عام، ويسهم في انتشارها عوامل عديدة منها، الازدحام بين السكان النازحين، عوامل متعلقة بالطقس كالبرد الشديد، الحشرات والنواقل، صعوبة وصول الكوادر الطبية، قلة تلقي التطعيمات واللقاحات، انتشار جثث الضحايا، انقطاع الخدمات العامة وتلوث مياه الشرب.
ويضيف القيم أن “أهم الأمراض التي يزداد انتشارها بعد الكوارث هي، التهابات الجهاز التنفسي الحادة ولا سيما الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات حيث يساهم في حدوثها الازدحام والعدوى وصعوبة تلقي الخدمات الصحية، الكوليرا والسالمونيلا والتي تحدث إسهال شديد ويساهم في انتشارها تلوث المياه والطعام ويعد الأطفال والمسنين أكثر الفئات المعرضة للتجفاف الشديد وقد تؤدي للوفاة، التهاب السحايا ببكتيريا النيسيريات وتتظاهر بالحمى الشديدة والصداع وصلابة العنق والتعب الشديد، مرض الحصبة و يسهم في انتشارها الازدحام بين السكان و قلة التطعيمات لدى الأطفال دون ال 4 سنوات وتشكل الكوارث الطبيعية خطراً حقيقياً لانتشار الحصبة والأمراض التي يتم الوقاية منها باللقاحات”.
“الملاريا قد تتفاقم في الكوارث الطبيعية وخاصة الفيضانات التالية للزلزال وتنتقل عن طريق الحشرات، الأمراض الجلدية المعدية كالجرب والفطور الجلدية، حيث ينتقل مرض الجرب عبر طفيلي القارمة الجربية ويسهم في انتشاره الازدحام بين السكان النازحين وقلة النظافة وانقطاع الخدمات العامة”.
تقول ش.أ إحدى النساء المقيمات في المخيم:” بعد حدوث الزلزال بفترة قصيرة أصبحت الاحظ تغيير في بشرتي ظهرت حبوب في جسمي، واولادي كذلك أيضاً لم أكن أعلم في البداية ما هذه الحبوب ضنناه تحسس جلدي، ولكن بدأت في التزايد، عندما ذهبت للطبيب أخبرني أنه جرب وأنتشر جداً بعد كارثة الزلزال نتيجة اختلاط العالم مع بعضها البعض، بقيت شهر كامل حتى تخلصت من هذا الوباء”.
كيف ساهمت المنظمات في دعم النساء
تقول معالم عبد الرزاق مديرة المشاريع والمنح في شبكة المرأة: لدينا حملة الناس لبعض بالإضافة إلى اغاثي، قمنا بتوزيع الملابس، احتياجات منزلية، سلل غذائية ودعم مادي للمتضررين بالزلزال في المجمل وصلنا إلى ما يقارب ٩٠٠ عائلة.
تقول سارة كلاّوي المديرة التنفيذية لمنتدى نيو لايف: مهما كانت المساعدات بسيطة وقليلة لكنها تعمل فرق، كان هناك أكثر من منظمة يتواصلوا معنا لعمل حملات كبيرة كانوا يقوموا بمساعدة السيدات والعائلات المتضررة إن كانوا من خارج عنتاب أو داخلها، كنا نجمع داتة نرسلها لهم كذلك أرقام وعناوين كنا نحاول المساعدة ولو بأقل الإمكانيات.
ختمت كلاّوي حديثها: فاجعة الزلزال المدمّر بقدر ما فجعتنا بأحباء وأصدقاء بقدر ما أكّدت لنا تماسكنا حينما كشفت لنا متانة مساندتنا وعوننا لبعضنا، وهذه المساندة وهذا العون هما الكنز الثمين الذي لابدّ من الحفاظ عليه من أجل سوريا المستقبل.
وبحسب الأمم المتحدة ناشد برنامج الغذاء العالمي تأمين 50 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الغذائية في تركيا وسوريا، تمكنوا من الوصول إلى 300 ألف شخص بالمساعدات الغذائية.
وتقول غضبان: مركز المستشارة يقدم خدمات علاجية، الدعم النفسي والاجتماعي للنساء خاصتاً والعائلات، أثناء الزلزال قمنا بعدة مبادرات الخط الساخن فكنا على مدار ١٢ ساعة متواجدين من مختصات ومستشارات لنساند وندعم المتضررين في الداخل السوري، والمشروع الثاني جمعنا أكبر عدد من المختصين والدارسين والداعمين النفسيين وقما بجلسات دعم نفسي للمنكوبين، اللذين أصيبوا بالهلع والخوف دربنا أكثر من ٢٠٠ شخص، وقدمنا العلاج للمرضى بشكل مجاني.
المشاركة الفعالة والتمثيل الكامل للنساء هما عنصران حاسمان في جميع مراحل التعامل مع الكوارث وما بعدها. مهم تغيير النهج التقليدي الذي يهمش دور المرأة وينحصر فيها دور الداعم النفسي فقط. حيث تُعَدّ المرأة شريكًا مساويًا وفاعلًا في صنع القرار والمشاركة في إعادة الإعمار وتصميم البرامج الإنسانية.
إلى المستوى العالمي والمحلي، وتعزيز دور المرأة في مجالات القيادة والتخطيط واتخاذ القرارات المتعلقة بالاستجابة للكوارث والحروب، وتتضمن جهود الإعمار تمكين النساء اقتصادياً واجتماعياً، وتوفير فرص العمل والدعم المادي اللازم للمرأة لتكون جزءاً نشطاً في إعادة بناء المجتمعات المتأثرة.
“تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث