محمود دخيل – صدى الشام

” حتى القطط عندها جواز سفر تروح فيه وين ما بدها”
هكذا أجابني حسن عندما سألته عن اذن السفر الذي لم يستطع أن يستخرجه للسفر إلى اسطنبول وبقي في مدينة غازي عنتاب التي ضربها الزلزال يوم السادس من شباط 2023.
يلزم القانون التركي الأشخاص الخاضعين للحماية المؤقتة استخراج اذن سفر للتنقل من مدينة الى اخرى، حيث يتم استخراج الإذن عن طريق البوابة الالكترونية E-devlet ويكون اذن السفر محدد بالمكان الذي سيذهب إليه الشخص والمدة الزمنية التي سيقيم بها في المكان المحدد ورغم ذلك يعاني الكثير من السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة في استخراج اذن السفر كونه في بعض الأحيان لا يُقبل طلبهم خاصة في حال كانت الوجهة مدينة اسطنبول التركية.

في 6 شباط 2023 ضرب زلزال عنيف المناطق الجنوبية من تركيا حيث أحدث ضرراً كبيراً جداً وخسائر بشرية وصلت لأكثر من 46 ألف ضحية في تركيا وحدها كان من بينهم أكثر من 4 آلاف سوري حسب تصريحات وزير الداخلية التركي السابق “سليمان صويلو”.
خُيّل للسوريين الذي يعانون الكثير من العنصرية في الآونة الأخير أن الزلزال الذي أثر على الجميع قد يصفي القلوب ويزيد من ترابط المتضررين، ولكنهم تفاجأوا بالتمييز الذي زاد ولم ينقص” كما يذكر لنا “ابو مصطفى” وهو رجل في العقد الخامس كان يقيم في غازي عنتاب وقت حدوث الزلزال.
يقول ” ابو مصطفى”:
” عندما أتذكر الأمر لا أعرف أيهم مرعب أكثر، الزلزال أم قلوب الناس المتحجرة. أعلم تماماً أن الموضوع يتعلق بالإجراءات، ولكننا الآن في وضع مزري الناس ما زالت تحت الأنقاض، الكل يريد الهرب من هذه المناطق فالإشاعات عن قدوم زلزال أقوى ما تزال تصل إلى مسامعنا. قررت أنا وزوجتي وابنتي الذهاب إلى المطار فقد سمعنا أن السوريون الحاملين للجنسية التركية يمكنهم السفر عبر المطار، نعم أنا وزوجتي لا نحملها، ولكن أبنتي لديها الجنسية ومن الطبيعي أن يسمحوا لنا في العبور، في النهاية جميعنا متضررون سوري كنت أم تركي فقد ضربك الزلزال.
وصلنا إلى بوابة المطار، أوقفنا الحرس وطلب بطاقات الهوية أعطيناهم في البداية بطاقة ابنتي ثم بطاقاتنا وهنا كانت الصدمة، قال لنا ليس مسموح لك العبور انت وزوجتك ويمكن لأبنتك العبور فهي من المواطنين! هنا لا أريد أن اتحدث عن وضع السوريين والعنصرية الموجهة إليهم، ولكن بالله عليكم كيف يمكن لهم أن يتعاملوا بهذه الطريقة. لقد كنا كلنا قبل ساعات في الشارع تهتز بنا الأرض والبرد القارس يأكلنا من أجسادنا.
اصبحت في الخمسين من عمري وما زلت أقول “عيش كثير بتشوف كثير” لكن لا أعتقد أنني سأعيش أسوء من هذا الموقف.”


يؤكد لي ح. ع. الذي رفض الكشف عن اسمه كما ابو مصطفى خوفاً من أي إجراءات قد تفضي به إلى الترحيل إلى سوريا فيقول:
” توجهت إلى الكراج لأذهب إلى أقرب منطقة آمنة كون الهزات الترددية لا تتوقف ولا يوجد سواي في المنزل فقررت أن أخرج لكي أرتاح من التفكير والخوف من الهزات، كنت أشاهد الحملات العنصرية التي تستهدف السوريين دون توقف فمرة تتهمهم بالسطو ومرة اخرى تتهمهم بأخذ أماكن الأتراك وخيمهم. المفاجأة، ولكنني تفاجأت بأن ما يحدث في وسائل التواصل وهو ما يحدث كثيرا_ يحدث في أرض الواقع فقد وجدت أنه لا يوجد سفر للسوريين وأنا هنا أقول لا يوجد سفر للسوريين وليس لا يوجد أماكن فالأماكن متاحة، ولكن الأولوية للأتراك وكأننا لم نتضرر مثلهم وكأننا لسنا بشر مثلهم. هل يوجد أعظم من الزلزلة؟ لا أعتقد، ولكن يوجد ظلم عظيم جداً”
على الرغم من اصدار رئاسة إدارة الهجرة في تركيا لقرار يوقف بشكل مؤقت شرط وجود إذن سفر للتنقل بين المدن للسوريين حاملي بطاقة الحماية المؤقتة والذين خرجوا من الولايات العشر المتضررة من الزلزال إلا أن القرار لم يلتزم به كثير من الموظفين في المطارات و كراجات النقل مما دفع كثير من السوريين لاستخدام وسائل النقل غير النظامية تجنباً للحواجز و احتراماً للكرامة كما تخبرنا راما فتقول :
” بعد يوم من الزلزال ومع تتالي الهزات قررت أنا وعائلتي واختي الحامل و صغارها أن نذهب عند اقربائنا في قيصري, بعد محاولات عديدة للحجز عن طريق الإنترنت باءت كلها بالفشل وذهبت اموال الحجوزات ولم تسترجع قرر بعض اخوتي الذهاب إلى المطار من أجل الحجز ولكنهم منعوهم من الدخول عند بوابة المطار كونهم لا يحملون اذن سفر بعد ذلك قررنا الذهاب إلى الكراج والانتظار هناك, بتنا ليلتنا في أرض الكراج تحت درجة حرارة منخفضة جداً , عرضنا المال على الشركات لنقلنا _رغم مجانية الرحلات_ ولكن لم تقبل أي شركة عرضنا مع العلم أن الطريق لا يستغرق أكثر من 6 ساعات إلا أننا انتظرنا أكثر من 24 ساعة. في النهاية تمكنا من التواصل مع باص لنقل ركاب المدارس، كنا 23 شخصاً طلب من السائق 20 ألف (متوسط سعر التذكرة إلى قيصري في ذلك الوقت 200 ليرة) وافقنا وانطلقنا إلى وجهتنا، لا أعرف كيف أصف الحال لكنه أمر مزعج ومقرف”
ما يثير الاستغراب هو وجود حالات أكدت انها خرجت من مناطق الزلزال دون الحاجة إلى إذن سفر وبعضهم لم ينجحوا في المرة الأولى ونجحوا في الثانية ما يجعلنا ننظر للموضوع على أنه اجتهاد شخصي من موظفي المطارات أو الكراجات يحدثنا “ع” وهو صحفي سوري خرج من إحدى الولايات المنكوبة:
“رغم حملي لاذن عمل ولكنني لم استطع ان اسافر من المطار بحجة عدم قدرة النظام على قبول طلبات السوريين رغم أن النظام قبل الزلزال كان يقبل بذلك!, على أي حال عدت وقمت بحجز تذكرتين طيران بعد اسبوع واحدة في الساعة الثامنة مساءً والأخرى في الساعة ال4 فجراً في حال لم استطع اللحاق بالطائرة أو واجهت مشاكل بالعبور وهو ما حدث بالفعل حيث أخبروني بعدم قدرتي على الذهاب كوني لا أحمل اذن سفر ورغم حديثي لهم عن قرار تعليق اذن السفر إلا أنه لم يكن هناك تجاوب, ذهبت بعدها فوراً إلى الكراج علي استطلع اللحاق بأحد الباصات وقمت بشراء تذكرة من الإنترنت ولكن عند الوصول أخبروني بنفس الكلام ولم يقبلوا أن اسافر.
تحدثت مع شركة الطيران التركية و أخبرتهم بالحالة وقالو لي لا يوجد أي مشاكل في تذكرتك وتستطيع السفر.
ذهب بعدها إلى المطار (الساعة الرابعة فجراً) وعند تسليم الحقائب أخبروني أنه لا يمكنني الذهاب ولكنني اخبرتهم مرة اخرى بالقرار ذهبت موظفة القبول وتحدثت مع الشرطة وبعد قرابة ال40 دقيقة قالوا لي يمكنني العبور.
هذه هي قصصنا البسيطة والتي تتحول بشكل أو بآخر إلى حكايات ومعاناة.”
تنص المادة 13 من القانون الدولي لحقوق الإنسان على «لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة»، كما و«يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليها»
وتنص المادة 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية «لكل فرد حرية التنقل واختيار مكان سكناه في أي مكان في نطاق الدولة التي يتواجد فيها بشكل شرعي»، كما «يحق لأي فرد أن يغادر أية دولة بحرية بما في ذلك دولته هو»
لا يرى السوريون في تركيا أنفسهم كلاجئين فهم لا يُعاملون بصفة اللاجئ، بل يعاملون -كما تصفهم الحكومة- “كضيوف” أو “تحت الحماية المؤقتة” وبالتالي فليس لديهم حقوق كما اللاجئون في أوربا، حيث تلزمهم وثيقة الحماية المؤقتة على البقاء في المناطق المقيدين فيها ويمنعون من العمل خارجها.

أين الخلل؟
يرى أغلبية من قابلتهم أن المسؤول الأول عن المشاكل التي واجهها السوريين عامةً والقاطنين في مناطق الزلزال خاصةً هي الحكومة التركية فهي المسؤول الأول عن تنظيم القوانين خاصةً أن حالة الطوارئ تعطل العديد من القوانين” فلماذا كان السوريون هم الاستثناء؟” يتساءل أبو مصطفى.
يرى أغلبية من سألتهم أن ما حدث ويحدث بخصوص اذن السفر تتحمل مسؤوليتها رئاسة إدارة الهجرة التركية كونها المسؤولة عن إصدار القرارات وإنفاذها وهذا لا يحدث دائما حيث يعاني السوريين من عدم فهم باقي مؤسسات الدولة للقوانين المتعلقة بالمهاجرين. بينما تقول السيدة إيناس النجار مديرة الاتصال باللجنة السورية التركية المشتركة أن ما حدث من تأخر في وصول المعلومات إلى المؤسسات الحكومية وقطاعات الخدمات يرجع إلى بيروقراطية الإجراءات بين هذه المؤسسات، كما تضيف بأنها عندما تواصلت مع إدارة الهجرة للحديث عن إمكانية إلغاء السفر لم يكن هناك أي مانع من اتخاذ قرار يسمح بتعليق طلب اذن السفر بسبب الحالة الانسانية العاجلة حيث تم ابلاغ اللجنة مساءً بالقرار شفهياً وتم تعميم القرار في الصباح على جميع الجهات المعنية به.
وفي تاريخ 7 شباط أي بعد يوم من الزلزال أصدرت إدارة الهجرة التركية قراراً بإيقاف العمل بقانون إذن السفر “مؤقتاً” في المناطق المنكوبة من الزلزال لتسهيل عمليات الإجلاء والتنقل.
قد لا تكون أزمة أذن السفر في فترة ما بعد الزلزال هي أكثر المشاكل تأثيراً على اللاجئين السوريين في تركيا و لكنها كان الأكثر مفاجأةً لهم كونهم لم يكونوا يتوقعون أن يعانون فوق معاناتهم و أن تمارس عليهم صنوف كثيرة من العنصرية خاصةً أن هذه العنصرية لما تكن صادرة من بعض المتضررين الأتراك ولكن أيضاً من سياسيين و مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي تحت هاشتاك #Mültecilersınırdışıedilsin والذي أصبح يتصدر تويتر لفترة يومين بعد الزلزال وهو ما شكل ضغط كبير على الحكومة التركية والتي تتهمها المعارضة التركية بمساعدة السوريين على حساب الأتراك مما جعل صدى هذه الحملات العنصرية يصل إلى الأماكن الخدمية و المؤسسات الحكومية مثقلةً كاهل السوريين الذي عانوا من القصف و النزوح ومؤخراً الزلزال.
“تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث