هاديا المنصور
رحلت السلطات التركية في الآونة الأخيرة أعداداً من اللاجئين السوريين في إطار ما أسمته “بالعودة الطوعية” إلى “المناطق الآمنة” شمال سوريا، لتكون اللاجئات السوريات ممن رحل أزواجهن إلى سوريا بحجج متعددة بعد تصاعد الخطابات المعادية ضد اللاجئين السوريين، الأكثر تأثراً كونهن الفئة الأضعف اجتماعياً واقتصادياً.
وعدم وضوح القوانين التركية وغموضها بالنسبة لها انعكس سلباً على المرأة السورية اللاجئة بعد ترحيل وغياب المعيل، حيث وجدت نفسها فجأة أمام مسؤولة الاعتماد على ذاتها والعناية بأطفالها ببلد اللجوء، وسط ظروف بالغة التعقيد.
وفي بيان لها نشر بتاريخ 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2022 كشفت المديرية العامة لإدارة الهجرة التركية عن أعداد المرحلين من أراضيها خلال عام 2022، وقالت إن السلطات رحّلت 124 ألف و441 مهاجراً غير نظامي، خلال العام الماضي 2022.
وذكر البيان أن 58 ألف و758 سورياً عادوا “بشكل طوعي” إلى شمال غرب سوريا خلال العام الماضي من بين ثلاثة ملايين و535 ألف و898 سورياً يقيمون في تركيا حالياً.
بينما تعاني مناطق شمال غرب سوريا بنية تحتية مدمرة بعد سنوات من الحرب والقتال وأعمال القصف السوري والروسي، وتضم هذه المناطق أكبر تجمع لمخيمات النازحين، ويعتمد معظم سكانها على المساعدات الإنسانية.
وأكد بيان المديرية العامة لإدارة الهجرة التركية زيادة عدد مراكز الترحيل إلى 30 مركزاً، بطاقة استيعابية تصل إلى 20 ألفاً و540، وأشارت إلى أن الداخلية التركية أغلقت 1169 حياً في 63 ولاية تركية أمام الأجانب في المناطق التي تجاوز فيها نسبة السكان الأجانب عن 20 في المئة بالمقارنة مع السكان الأتراك، وذلك بهدف تخفيف كثافة الأجانب بما فيهم السوريين في تلك المناطق، وهو ما يبدو جلياً في رغبة الأخيرة بالتخلص من السوريين بأي شكل لتتخذ من بعض الأمور الشكلية البسيطة حجة لها.
تعيش رقية الحاج علي( 36 عاماً) وهي لاجئة سورية تقيم في مدينة أورفه جنوب تركيا أكثر الأيام “صعوبة على الإطلاق” بعد أن عمدت الجندرما التركية لترحيل زوجها إلى سوريا بعد قرابة الشهر على وصولهم دون أن تعلم ما الذي يتوجب عليها فعله حتى الآن.
تقول رقية لصدى الشام ” دفعتنا الحاجة والفقر وقلة فرص العمل في سوريا لبيع كل ما نملكه بغية الخروج إلى تركيا للبحث عن حياة أفضل، وبعد أن استطعنا تجاوز الحدود بطريقة التهريب ودفع كل ما جمعناه من مال للمهربين تم إلقاء القبض على زوجي وترحيله بحجة عدم امتلاكه بطاقة الحماية المؤقتة، لتضيع الأموال التي دفعناها سدىً”.
وتؤكد رقية أن زوجها كان قد باشر باستخراج أوراق بطاقة الحماية غير أن ضيق الوقت لم يسعفه بعد أن تم إلقاء القبض عليه وترحيله على الفور، لتفاجئ بعد فقدانه لأيام باتصال هاتفي منه يخبرها أنه في الأراضي السورية.
تشعر رقية بالخوف وعدم الأمان كونها تعيش بمفردها مع ثلاثة أطفال في بلد لا تعرف عنه شيئاً، ” المصير المجهول يحيط بنا، والخيارات أمامنا باتت محدودة، فإن لم يستطع زوجي القدوم مرة أخرى فسوف يتوجب على الرحيل مع الأولاد أنا أيضاً، وسنعود خالين الوفاض إلى شمال سوريا”.
حال رقية يشبه حال المئات من السوريات اللاجئات في تركيا ممن واجهن المصير ذاته، وبدأت معاناة البحث عن سبل الحياة بمفردهن ريثما يتمكن الزوج من الوصول لعائلته التي فرقته عنها الحدود مرة أخرى.
مريم الحسين (27عاماً) لاجئة سورية في تركيا، مقيمة في مدينة غازي عينتاب جنوب تركيا، تم ترحيل زوجها إلى سوريا بعد سبعة أشهر من وصوله مع عائلته المؤلفة من زوجته وولدين إلى تركيا.
تقول مريم أن بطاقة الحماية المؤقتة لم تكن حجة الترحيل هذه المرة كونها نظامية، وإنما إذن العمل هو من كان الحجة التي تذرعت بها السلطات التركية لترحيل زوجها، غير ابهين بوجود عائلته له تنتظر عودته إليها ببعض الخبز والطعام.
وتضيف لصدى الشام أن الحياة البائسة في مخيمات النزوح شمال سوريا والفقر وانعدام حتى الأساسيات، دفعت بها وبزوجها للرحيل إلى تركيا، غير أن الأمر لم يجر على ما يرام بعد ترحيل زوجها ” ظلماً وبهتاناً”.
تخرج مريم من المنزل فقط لشراء بعض الطعام والعودة بسرعة فهي لا ترغب بالاحتكاك بأحد من الأتراك حتى الجيران منهم، لخوفها من التعرض للتنمر أو الإساءة، ” ربما هناك أناس طيبون إذ لا يمكن التعميم، غير أن ما سمعته عن العنصرية التركية اتجاه السوريين جعلني منزوية مع طفليّ انتظر الفرج بعودة زوجي، وإلا سيكون الوضع ليس على ما يرام، فأنا لست ممن يستطعن الخروج والعمل وتدبير أمورهن بأنفسهن”.
وتعتبر النساء السوريات أكثر حساسية وتخوفاً من خطاب الكراهية الذي ظهر جلياً تجاه السوريين على الأراضي التركية، وخاصة بعد ترحيل أزواجهن، فهن غير معتادات على المواجهة أو حتى الدفاع عن أنفسهن، ومعظمهن يفضلن الرحيل والالتحاق بأزواجهن بينما قليلات هن من يفضلن المقاومة والبقاء.
لم يكن ترحيل زوجها ليردع بثينة اليوسف (39 عاماً) وهي أيضاً لاجئة سورية تقيم في مدينة أزمير التركية عن البحث عن عمل والتأقلم في بلد اللجوء والاعتماد على نفسها حيث تقول” بعد رحلة بحث وجدت عملاً في إحدى معامل صناعة المناديل الورقية، ورغم أنني أعمل بجهد كبير ولساعات طويلة وتعرضي للاستغلال والإساءة اللفظية، غير أنني مضطرة لتحمل كل ذلك لأتمكن من تغطية المصاريف والفواتير ريثما ينجح زوجي في دخول الأراضي التركية عن طريق التهريب مرة أخرى، فأنا غير مستعدة للعودة إلى سوريا بعد كل ما واجهته فيها من مآسي وانعدام سبل الحياة” على حد تعبيرها.
وتتابع لصدى الشام” وجودي من دون بطاقة الحماية المؤقتة (الكملك) ودون إقامة جعلني أعيش في خوف دائم من فكرة ترحيلي كما تم ترحيل زوجي، وكثيراً ما أتحاشى المرور أو الاقتراب من أي دورية للشرطة”.
تصمت بثينة وتتجاهل أي إساءة تتعرض لها في العمل أو الشارع التركي خشية تعرضها للترحيل أو التنمر من قبل الأتراك، وغالباً ما تحاول تجنب أي مشاحنات أو تصادم، حتى لو كان الأمر على حساب التنازل عن حقوقها، فهي لا ترغب بالدخول بأي مشاحنات مع الأتراك ستكون فيها “الخاسر الوحيد” على حد وصفها.
وكانت الوزارة التركية أعدت “قانون الأجانب والحماية الدولية” الصادر بتاريخ 4 أبريل 2013 المعروف بقانون الحماية المؤقتة وما يتفرع عنه من تعليمات تنفيذية.
حيث تم المصادقة على “قانون الأجانب والحماية الدولية” من قبل الجمعية العامة لمجلس الأمة التركي الكبير لمراعاة التوازن بين مسألة حقوق الإنسان والبند الذي ينص على أن لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصًا من الاضطهاد، والأمن والسلامة العامة في القانون بصورة عامة، ما أعطى المجال لتوسيع آليات العمل المتبادل بين الجهات المحلية والدولية.

و للوقوف على شرعنة وجود السوري في تركيا وأعمال الترحيل يحدثنا عضو المكتب التنفيذي لتجمع المحامين السوريين في تركيا وعضو مركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان المحامي محمد حسام سرحان ويقول أن نسبة 99% من السوريين الموجودين في تركيا هم خاضعين لقانون الحماية المؤقتة عبر منح بطاقات كيملك صادرعن السلطة التنفيذية التركية وليس عن السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية هي ذاتها من تصدر قرارات الترحيل بحق السوريين.
وذكر سرحان إنه لم يعد يخفى على أحد هدف السوريين سواء أفراد أو عائلات من دخول الأراضي التركية، وهي إما الإنطلاق منها إلى أوربا أو الاستقرار فيها والعمل في حال تعثر الهجرة إلى أوروبا.
ويوضح أنه في حال تواجد سوريين بطريقة غير مشروعة أو غير قانونية كعدم امتلاكهم بطاقة الحماية المؤقتة أو انتهاء مدة الإقامة للمتواجدين بموجب جواز سفر، أو تقديم وثائق مزورة ومعلومات كاذبة، أو عدم حصول السوري على إذن عمل، أو تواجده في ولاية مختلفة عن الولاية التي منحته بطاقة الحماية المؤقتة، وغيرها من الأسباب تعرضهم للمساءلة من قبل الشرطة والحواجز والجندرما أثناء تحركاتهم العديدة لتأمين متطلبات الحياة لعوائلهم.
ويأسف سرحان أن السلطات التركية لا تنظر للجانب الإنساني فيما يتعلق بترحيل الزوج حتى بعد إعلامهم بوجود زوجة له وأبناء ينتظرون عودته وهم بحاجة للسند ولمن يهتم بأمورهم، وإنما يسعون فقط لتطبيق القوانين وإجراء التدابير بترحيل المخالفين، ويتركون لعائلة اللاجئ الذي تم ترحيله حق البقاء بأوراق رسمية نظامية أو الرحيل واللحاق بالزوج، بينما تعيش تلك العوائل في غياب الزوج معاناة وأوضاعاً مأساوية.
و يحق للاجئ السوري تقديم طلب استرحام وهو فقرة إدارية ضمن قانون الحماية المؤقتة، ونافذة ضيقة جدا فتحتها السلطة التنفيذية للأشخاص الذين ألغيت بطاقة الكملك لديهم أو تم ترحيلهم إلى سورية سواء كانت العودة بإرادتهم الحرة أو بموجب قرار إداري،
وعادوا إلى تركيا بحيث يستطيعون تقديم طلب استرحام لإعادة تفعيل الكملك ووضعهم تحت قانون الحماية المؤقتة.
ويؤكد المحامي سرحان أن فرصة قبول طلبات الاسترحام قليلة جدا، وتحتاج لمدة أقلها ستة أشهر للإجابة على الطلب سلباً أو إيجاباً.
وينفي أن يوضع السوري في مركز ترحيل وترحيله من قبل السلطات التركية مجرد إلقاء القبض عليه، وإنما يعطى الحق في رفع دعوى قضائية لوقف الترحيل والدفاع عن نفسه، فإن أثبت عدم صحة التهم الموجهة إليه يتم إطلاق سراحه، أما إن لم يستطع ذلك يتم ترحيله على الفور.
وكذلك الأمر ينطبق على من كان ترحيله يشكل خطر على حياته ويقدم الإثباتات على ذلك، لايتم ترحيله وإنما يوضع تحت المراقبة الدولية، ويحتم عليه مراجعة مركز الشرطة كل مدة.
لا يستطيع المحامي سرحان أن يجزم بوجود بعض التجاوزات وحالات الترحيل القسري أم لأ، إذ لم يشهد بشكل شخصي ترحيل أي شخص يمتلك وثائق رسمية نظامية إلا في حال وجود إشكال حوله.

من جهة أخرى قالت الناشطة في العمل الإنساني والإغاثي شذى بركات لصدى الشام متحدثة عن معاناة اللاجئات السوريات اللواتي يتم ترحيل أزواجهن، أن بعض الأزواج يتم ترحيلهم إلى سورية “بشكل تعسفي ودون وجه حق”، فكثير منهم لم يرتكب مخالفات تذكر ويحمل بطاقة اللاجئ، وغالباً يتم الترحيل دون أن يتمكن اللاجئ السوري من الرجوع إلى المنزل أو حتى تنصيب محامي للدفاع عنه لأسباب عديدة منها الأجور المرتفعة جداً للمحامين بينما يكون اللاجئ فقير نسبياً.
ولفتت لصدى الشام أن ما يترتب على ترحيل الزوج والإبقاء على الزوجة والعائلة في تركيا لوحدهم بلا سند أو مصدر للدخل يخلق مشاكل لهؤلاء الزوجات اللواتي يعانين صعوبة التواصل مع المجتمع المحلي بسبب اللغة وصعوبة تعلمها إضافة لتعرضهن لضغوطات كبيرة بسبب غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف تعليم الأولاد.
وأشارت إلى وقوع بعض الزوجات الصغيرات فريسة للاستغلال والتحرش والجشع من قبل أفراد المجتمع لمجرد أنها تعيش بمفردها مع أطفالها مما يؤثر سلباً على نفسيتها المحطمة أصلاً، إضافة لعدم قدرة الأم على السيطرة على الأطفال وأفراد الأسرة بسبب اضطرارها للخروج والعمل لساعات طويلة لإعالة أسرتها وبقاء الأولاد في المنزل بمفردهم، عدا عن مصاعب الحصول على الأوراق الرسمية في تركيا بسبب الغموض الذي يلف القرارات التي تصدرها الحكومة التركية وصعوبة تنفيذها.
ودعت الناشطة البركات لإيجاد بعض الحلول المساعدة لتلك النساء في إصدار قوانين تحمي اللاجئين في بلد اللجوء من تعرضهم لأعمال عنصرية أو أعمال ترحيل قسرية، وتعيين محامي للاجئ من قبل مفوضية اللاجئين تتكفل بأجوره كي تدافع عنه في حال كان الجرم لا يستحق الترحيل ويحظى بمحاكمة عادلة، وسن قانون يحمي الأسرة التي يرحل عنها معيلها وتؤمن لهم دخلاً شهرياً للعيش بكرامة، وحماية وإنقاذ الأطفال من براثن الضياع والتسرب من المدارس والعمالة.
“تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR” صحفيون من أجل حقوق الإنسان”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث