ثائر الزعزوع
أفلحت الثورة السورية
وفي وقت مبكر نسبياً في أن تخلق إعلاماً بديلاً يعتمد بالدرجة الأولى على مجموعة
من الناشطين الذين تمكنوا من نقل ما يجري من حراك سلمي بداية، بالاعتماد على وسائل
تقنية بسيطة، اعتبرها رأس النظام في وقت من الأوقات أجهزة اتصال متطورة ربما لجهله
أو محاولته تجهيل جمهوره بالتطور التقني الذي يتيح لحامل جهاز موبايل بسيط أن
يتحول إلى صحفي محترف، إذ يتوقف الأمر على تصوير لقطات سريعة وخاطفة خشية الاعتقال
ورفعها عبر شبكة الانترنت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وساعتها تتحول تلك الصور
إلى مادة صحفية تتناقلها وسائل الإعلام المختلفة، والتي تمكنت من نقل الحدث بالرغم
من التضييق الإعلامي الكبير الذي يفرضه النظام، وفعلاً نقلت الثورة السورية سوريا
من خارطة كتيمة مغلقة إلى مناطق وقرى ومدن تصدرت عناوين نشرات الأخبار من بنش إلى
إنخل إلى البوكمال، إلى آخره.. وكان الإعلام الغربي كما العربي يقتات على تلك
المقاطع المصورة ليشكل منها خبراً، وليكون قريباً من الحدث، رغم جهلها بحقيقة
الحدث ومعناه، فهي لم تفهم ما مغزى الثورة السورية، وما الذي يطالب به أولئك
المتظاهرون في مختلف المناطق السورية، وظلت تنقل الأخبار على أنها مظاهرات لمعارضين
إسلاميين لنظام الرئيس السوري، وكانت غالبية وسائل الإعلام الغربية تورد التوصيف
الطائفي للمنطقة المتظاهرة على اعتبار أن الأكثرية السنية تطالب بإنهاء حكم الأقلية
العلوية، فقط من هذه الزاوية الضيقة التي لا تمت للثورة بصلة، على الأقل في
بدايتها، وقد ساهم بعض الكتاب والصحفيين القريبين من النظام مثل باتريك سيل، وروبرت
فيسك في ترسيخ هذه المعلومة لدى المواطن الغربي المتابع للحدث السوري، كون المواطن
الغربي قارئاً جيداً للصحف، ويهتم كثيراً بالاطلاع على الأحداث والمقالات عبر
أعمدة بعض الكتاب، وقد انعكس ذلك كله سلباً على تعاطي الغربيين مع الثورة السورية،
إعلامياً، فالقنوات التلفزيونية التي اعتمدت في نقل حدثها على فيديوهات الناشطين
كانت تضيف إلى تلك المقاطع المصحوبة دائماً بعبارة الله أكبر، تحليلات تحيل الحدث
إلى ثورة “إسلامية” ضد حكم “علماني” أو ثورة “سنة”
ضد “علويين” وعلى الرغم من النفي المتكرر من أقطاب في المعارضة السورية
لمثل هذه المغالطة، بل وتصدر مسيحييّن هما جورج صبرة وميشيل كيلو المشهد، إلا أن
ذلك لم يشكل فرقاً.
بالمقابل فإن شكل
الدفاع الذي كان ينبغي أن ينساق إلى المهنية والتحليل المنطقي، وهو ما يفهمه المواطن
الغربي، كان شبه منعدم تماماً، فعبارات مثل إنهم يقتلون الأطفال، وانظروا ماذا
يفعل جيش المجرم بشار بالمدنيين، لا تحرك قناعة راسخة مستندة إلى ما يمكن اعتباره
معلومة علمية، وإلا فلماذا لا يبدي الغربيون تعاطفاً مع القضية الفلسطينية؟،
ولماذا اعتبر عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف منهم قيام إسرائيل بشن هجوم على غزة
عملاً مبرراً للدفاع عن النفس، على الرغم من الضحايا الكثر الذين سقطوا؟، ببساطة
لأننا “أفشل محامٍ عن أعدل قضية”، هكذا كان يقال عن العرب، وهو ما يصح
أن يقال عن السوريين أيضاً، فنحن لم نستطع إقناع المواطنين الغربيين بتنظيم
مظاهرات احتجاج ضد الصمت الدولي على المجزرة التي نتعرض لها منذ أكثر عامين، ولم
نستطع اكتساب تعاطف عالمي بمعنى الكلمة ليتحول الخبر السوري إلى خبر أول على الأقل
في بعض نشرات الأخبار عبر تلفزيونات العالم، وقد صدمت صيف العام 2012 وخلال زيارة
قمت بها إلى العاصمة الفرنسية باريس بأن كثيرين ممن التقيت بهم لا يعرفون شيئاً
عما يحدث في سوريا، وهنا ينبغي أن أذكر أن ثمة حشداً أسبوعياً ينظمه شباب سوريون
وبعض المتعاطفين معهم في واحدة من ساحات باريس الشهيرة، فكيف يكون الحال في عاصمة
غربية أخرى، أو في مدينة غير باريس؟.
الشاشة تحكم العالم،
هذه حقيقة لا ينبغي تجاهلها، ولا ينبغي أيضاً الاستياء من هذه الشاشة التي لم
تستطع رؤية ما نمرُّ به من دمار وكوارث، لا لعطلٍ فيها بل لأننا لم نستطع
استثمارها كما يجب، لم نفكر كما يفكر الآخر، الآخر هنا ليس النظام لأنه فاشلٌ
بالمقابل، لكن ذلك الآخر الذي يدير اللعبة بأسرها، اللعبة في الداخل وفي الخارج
أيضاً.
عام 1999 تحطمت طائرة
ركاب مصرية قبالة ساحل ماساشوستس في الولايات المتحدة الأميركية وقتل جميع الركاب
وطاقم الطائرة، وقتها قال الإعلام الأميركي إن طاقم الطائرة هو من قام بذلك العمل،
وإن العملية هي عبارة عن عملية انتحار، والسبب قد يثير الاستغراب، ويتلخص بأن
مساعد الكابتن قال: توكلت على الله، فكيف نقنع إعلاماً يستند إلى هذه العبارة،
التي نستخدمها كل يوم مئات المرات في حياتنا، بأن ثورتنا هي ثورة حرية وكرامة؟،
وكيف نقنع هذا العالم الذي يتابع هذا الإعلام بأننا حين نقول عبارة الله أكبر، لا
نقصد فيها سوى الاستعانة بالله، ولسنا راغبين بقتل شركائنا وأخوتنا في الوطن؟.
دعونا نتذكر حادثة
أخرى، شتاء العام الماضي شكل النظام جيش الدفاع الوطني، وقد انفردت قناة روسيا
اليوم التي تمتلكها الحكومة الروسية بتقرير مفصل عن مقاتلات جيش الدفاع الوطني
ذاك، فأظهرت القناة التي تبث بعدة لغات جيش بشار الأسد متنوعاً، يعطي المرأة مكانة
مشابهة لمكانة الرجل، والقناة نفسها تبث ما تشاء من التقارير عمن تسميهم
بالمتطرفين. والعالم يشاهد.. ويحكم.
يقول قائل: نحن لا يهمنا العالم، حسناً إذاً فلنقلع شوكنا بأيدينا وكفانا لهاثاً
وراء
عالم يرانا عبر شاشته
بصورة لا تشبهنا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث