ياسر الأطرش
حقيقيٌّ بأنها ثورة معجزة، في كل شيء، فكرتها
بحد ذاتها، التفكير بالتمرد على نظامٍ يعرف العالم أنه يبيد القرى وأهلها، إلا
أنها انطلقت، وما كانالنظام ليصدق، وحُقَّ له ألا يصدق.. العالم أيضا لم يصدق،
وقف متردداً .. ماالذي يفعله هؤلاء؟؟ أيعقل أن يفكر أحد بالثورة على نظام الأسد ؟؟
أعتى أنظمة المنطقة .. هزم العرب في لبنان أجمعين .. واحتلها لثلاثين عاماً وأذعن
العالم له .. هزم الولايات المتحدة وأوربا بالعمليات الإرهابية التي نفذها مسفراً
عن وجه إجرامي لا قِبل للعالم “المتمدن” بتحديه بذات الطريقة، فعبر
أذرعه الفلسطينية واللبنانية والطائفية نفذ عمليات تحت شعار المقاومة والممانعة
أرهب بها “أعداء الدكتاتور” ..
كان حافظ الأسد مجرماً عابراً للحدود، فرض على العالم الخوف، ذبح مدينةً
وأهلها وتاريخها في الثمانينات ولم يعترض العالم حتى، أخرج بلداً ضارب الجذور في
الحضارة من سياقه التاريخي والحضاري، وصفق له العرب الذين استعملوه لقمع شعوبهم
حيناً وتجنبوه أحياناً أكثر..
الإذعان العالمي لإجرامه كللته الولايات
المتحدة “سيدة العالم” بمباركة تنصيب ابنه “فاقد الأهلية”،
قطعت الوزيرة أولبرايت الأمر بكلمتين: “إنه شاب متفهم” .. قالتها في
دمشق ومضت، معلنةً علينا رئيساً لا يحق لها أو لإدارة بلدها أن تستغرب أبداً ولا
أن تُصدم من مستوى إجرامه بحق الشعب الثائر، فإجرام أبيه كان المبرر الأكبر لتولية
الولد.
أحداث حماة
وحلب وإدلب في الثمانينيات على هولها وفظاعة تفاصيلها، لم تكن أكثر من خبر
عابر في موجز أنباء على إذاعة “مونت كارلو” .. الإذاعات التي كانت
وقتذاك سمع العالم وبصره، غضت السمع والبصر عما يدور من قتل وذبح واغتصاب وتهجير،
أغمض العالم ضميره وأطفأ قلبه حتى فرغ الأسد من مذبحته، ووقف منتصراً على جثة أمة
بحالها.. القتيل لم يكن حماة آنذاك .. القتيل كان حاضر سوريا ومستقبلها وفحولة
رجالها الذين ما عادوا كذلك .. أجيال بعد ذلك صارت تردد في طابور المدرسة الصباحي
وتتوعد: سنسحق عصابة الاخوان المسلمين العميلة .. حتى من كان أبوه قتيل تلك
المرحلة، سيقول، حتى من كانت أمه مغتصبة، سيقول .. كلنا كنا نقول .. وفي لحظة مجد
كاذبة كنا نقول أيضاً: نحن أعظم أمة في الأرض !!
جيل تربى على قيم القمع والانفلاش واللاإنسانية
واللاسياسة، والجبن الاجتماعي وتفشي الفساد وتحوله إلى قيمة مقبولة إن لم نقل
مطلوبة ومحترمة .. هذا الجيل ليس صحيحاً بأنه جميعاً ثار على حكم الدكتاتور الابن
.. كثير من هذا الجيل أُشرِبَ العجلَ وكانت ثورته جزئية عاطفية أو براغماتية شخصية
وليس للصالح العام أو القيم العليا صلة بها، الشهداء هم الأنقى والأصدق، ومن خرج
وما زال يهتف للحرية والكرامة، لم يبع نفسه ولا صوته ولم يشترِ بالثورة ثمناً
قليلا .. الذين ما أغرتهم شاشة ولم يروا أنه الوقت الأنسب للسياحة، الذين تمترسوا
في خنادق قناعاتهم وضمائرهم، كبرت أعمارهم ثلاث سنوات في الثورة، ولم تكبر ثرواتهم
ولا أرصدتهم ولا معجبوهم ولا .. هؤلاء المجهولون المعلومون هم وحدهم من صنعوا الحقيقة
والمعجزة، هم وحدهم من خشيهم الأسد والعالم من وراءه .. وهم من سيصنع النصر .. لنا
.. وليس لأنفسهم وحسب .. وكي لا تُصدموا .. كالعادة.. سيركب رجل أعمال وسياسي
ومعارضة جميلة ومعهم لاحسو الأحذية .. الذين لم يكبروا في الثورة .. ولن يكبروا
بعدها ..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث