الرئيسية / رأي / إعلام ثوري.. أم إعلام للثورة؟!

إعلام ثوري.. أم إعلام للثورة؟!

ثائر الزعزوع

تقول البديهيات
المعروفة إن السوريين حرموا نصف قرن تقريباً من الإعلام، وألقوا في غيابة جب
الإعلام الحكومي على مدى سنوات طويلة، فلم يخوضوا حقيقة أي تطور إعلامي إلا وفق ما
رسم في مؤسسات الدولة الإعلامية التابعة بدورها للمؤسسات الأمنية المتخلفة، فكان
الإعلام السوري متخلفاً، قياساً بدول الجوار.

ومع بداية الثورة نفض
الإعلام السوري غبار السنوات الثقيلة وانطلق في تجارب نظر إليها المتابعون على
أنها قد تقود إلى ثورة في الإعلام السوري تتناسب مع الثورة التي تسعى للتخلص من
حقبة الديكتاتورية، والصوت الواحد والأجهزة الأمنية.

الحقيقة أن ما ميز
الثورة السورية إعلامياً كان العدد الكبير من الناشطين الذين تحدوا آلة القمع
الثقيلة، وتحولوا إلى إعلاميين هواة، أو ناشطين إعلاميين قدموا رسائل وتقارير يغلب
عليها الطابع العاطفي، وتميل إلى التهويل أو المبالغة، وكل ذلك مبرر طبعاً كونهم
في معظم الأحيان يظهرون للمرة الأولى على شاشات الفضائيات، وكون الموضوع بأكمله
جديداً، فكيف تغطي حدثاً ميدانياً أنت جزء منه دون أن تكون متأثراً وتحاول التأثير
في المتلقي؟ لا من خلال المعلومة، بل من خلال الحالة العاطفية التي ميزت عمل معظم
الناشطين، ولا أقول كلهم.

ترافقت الثورة أيضاً
بظهور عدد غير قليل من الصحف والمواقع الإلكترونية، والإذاعات، وأخيراً الفضائيات،
وسوف أستثني هنا قناة “أورينت” لأنها كانت قد بدأت البث قبل الثورة
بثلاث سنوات تقريباً، ومن الإجحاف مقارنتها بباقي القنوات التي نشأت مع الثورة.

تلك القنوات قد
يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة بقليل، أعلنت منذ انطلاقتها أنها قنوات داعمة
للثورة، وتعمل لأجل الثورة، وهي التزمت فعلاً بهذا المنحى الذي وضعته لنفسها،
فكانت صوتاً للناشطين، بل واستعانت ببعض الناشطين، والمعارضين ليشكلوا كوادر
عملها، وأكثرت من بث الأغاني الثورية، واستعانت بفواصل ثورية أيضاً، واستطاعت أن
تكون إعلاماً مضاداً لإعلام النظام، وشكلت نوعاً من الملاذ الآمن لمؤيدي الثورة
ليدلوا بأصواتهم، وشهاداتهم حول حقبة آل الأسد، فتشابهت تلك القنوات في توجهها وفي
طرحها، وإن اختلفت بعض الأحيان في طريقة العرض، لكن…

وهنا نتوقف لنتساءل:
هل كانت تلك القنوات ثورية، أم هي مجرد قنوات داعمة للثورة؟

والحقيقة أنها قنوات
داعمة للثورة، ولا تحمل من فكرة الثورية أي بعد سواء في طريقة عملها أم في طرحها،
فهي لم تقدم جديداً على الساحة الإعلامية، وقد يكون السبب ضعف التمويل كما يقول
معظم مالكي تلك القنوات أو المشرفين عليها، إلا أن فكرة ضعف التمويل بحد ذاتها قد
لا تشكل عائقاً أمام الإبداع، والدليل على ذلك أن الثورة السورية نشأت لا في ظل
ضعف تمويل فحسب، بل إنها كانت تتعرض لضغوط كبيرة، وإذا علمنا أن “قنوات
الثورة” في مجملها تبث من دول خارج الحدود السورية، فيحق لنا أن نتساءل ما هو
المانع الذي يحول دون قدرتها على الإبداع والابتكار، وعلى الثورة، لتكون بحق
إعلاماً ثورياً؟.

قد يبدو المفهوم هنا
ملتبساً، فما هو الفرق بين الإعلام الثوري، وإعلام الثورة؟.

في تعريف الثورة نجد
عبارة التغيير، أي تغيير ما هو سائد أو ما هو واقع إلى حالة جديدة، فهل غيرت قنوات
الثورة الشكل السائد والمتخلف للإعلام السوري، وهل استطاعت أن تجد لنفسها حيزاً في
فضاء الإعلام العربي؟.

الإجابة هي لا،
وللأسف، فلا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة الثورة السورية الخلاقة والمبدعة في
آن واحد، مع إعلامها الذي لم يرق إلى قدرتها على التغيير، ولا على التحدي، أو
إعادة تعريف المفردات والقوالب الجاهزة التي رسخها إعلام النظام على مدى نصف قرن
من الزمان. لا على مستوى الشكل ولا على مستوى المضمون، بل إن بعض تلك القنوات
تستعير، كي لا نقول تسرق، بعض المقاطع التي تم إنتاجها من قبل إعلام النظام،
كاللقطات العامة للمدن السورية، لتقدمها بطريقة مختلفة، وتضع لها عناوين مختلفة،
ولن أكشف سراً إن قلت إن بعض الكوادر التي لم تكن جيدة أصلاً في إعلام النظام
انتقلت مع تجاربها إلى إعلام الثورة، فنقلت تلك التجارب الرديئة و كرستها على أنها
شكل جديد من أشكال الإعلام.

وحتى في مجال صناعة
الأخبار، ظلت قنوات الثورة عاجزة عن تقديم أخبار خاصة ومتميزة، وعجزت تقاريرها
الميدانية عن أن تنقل صورة الحدث بشكل واضح، واستمرت في تقليد ومحاكاة التجارب
الناجحة لبعض القنوات الإخبارية العربية، فاستعارت منها مفرداتها الإعلامية
وطريقتها في الإخراج، بل وحتى طريقة المذيعين فيها بتقديم مادتهم الإخبارية.

وفي الوقت الذي
استطاع فيه بعض النشطاء أن يتحولوا إلى صحفيين محترفين قادرين على تغطية الأحداث
ومتابعتها، بسبب الخبرة الميدانية الكبيرة التي اكتسبوها، ظل إعلام الثورة يحبو
غير قادر على النهوض وعلى مجاراة الثورة، بل إنه تراجع جماهيرياً، وعاد بعض جمهوره
ليبحث عن خياراته في القنوات الإخبارية العربية.

وأخيراً.. ألا يشبه
إعلام الثورة إلى حد كبير المعارضة السورية التي لم تستطع أن ترقى إلى مستوى
الثورة وظلت تتعامل مع الحالة الكارثية بالبرود نفسه الذي كانت تتعامل فيه مع
مفردات السلطة القديمة؟. فلا هو صار إعلاماً ثورياً، ولا المعارضة صارت معارضة
ثورية أيضاً… لكل حديث استثناء، ولا بد من وجود استثناءات… لكن أين؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *