عدنان علي/
ما إن غادر عناصر تنظيم “داعش” جنوب دمشق، حتى تصاعدت وتيرة التلميحات ومن ثم التصريحات الصادرة عن نظام الأسد وميليشياته، فضلا عن روسيا وإيران، بأن الوجهة المقبلة ستكون نحو إدلب وريفي حماة الشمالي وحلب الغربي، أو نحو الجنوب الغربي باتجاه محافظتي درعا والقنيطرة، وهي جميعا مناطق خاضعة لاتفاقات ما يسمى ب”خفض التصعيد” أي، من غير المسموح لنظام الأسد وميليشياته السيطرة عليها عسكريا، بموجب التفاهمات الإقليمية والدولية.
وسرعان ما اتضح أن تلك التصريحات التي اقترنت بتحريك قوات وإلقاء مناشير تحذيرية للسكان والمقاتلين، فضلا عن تصعيد القصف في بعض الأحيان، كانت محاولات لجس النبض قبل التحرك الفعلي باتجاهها، وهو ما التقطته الدول “الضامنة” لهذه المناطق، فوجهت تحذيرات صريحة للنظام بعدم الإقتراب منها، كما فعلت الولايات المتحدة بالنسبة للجنوب السوري، أو عبر روسيا، كما فعلت تركيا بالنسبة لمحافظة إدلب وريفي حماة وحلب، واستكملت ذلك بنشر المزيد من نقاط المراقبة العسكرية في هذه المناطق، لتكون فاصلا بينها وبين قوات النظام.
وقد استجاب نظام الأسد سريعا للتحذيرات الأميركية بضرورة عدم القيام بأية عمليات عسكرية في الجنوب السوري، وقال القائم بأعمال سفارة النظام لدى الأردن أيمن علوش أن النظام لا يحتاج لمثل هذه العمليات لأن التطورات في الجنوب تتجه نحو تسوية وحلول بالتوافق حسب تعبيره، في وقت برزت إلى السطح مشاريع وتصورات تشير في المحصلة إلى إمكانية تسليم معبر نصيب الحدودي في محافظة درعا إلى النظام، وهو ما يتقاطع مع معلومات سابقة بأن النظام وروسيا أبلغا المعارضة خلال اجتماع أستانة الأخير بأنهما لا يريدان في هذه المرحلة سوى الوصول إلى معبر نصيب.
واعتبر علوش أن “منطقة الجنوب اقتربت كثيراً من نهايتها، حيث هناك كتلة كبيرة في الجنوب تحبذ فكرة المصالحة، مقابل مجموعات قليلة مرتبطة بمشروع إسرائيلي، ومن السهل جداً وضع حد لها ودحرها” حسب قوله.
ويأتي هذا التصريح، بعد تحذير أميركي للنظام من أن واشنطن ستتخذ “إجراءات حازمة ومناسبة”، رداً على تقارير تفيد بقرب وقوع عملية عسكرية في إحدى مناطق خفض التصعيد في جنوب غرب البلاد.
حذرت واشنطن نظام الأسد باتخاذ إجراءات حازمة ومناسبة في حال وقوع عملية عسكرية في منطقة خفض التوتر جنوب البلاد
معبر نصيب
غير أن ما بدا لافتا هو تصريح نائب رئيس الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر “الرياض 2” خالد المحاميد والذي دعا إلى فتح معبر نصيب الحدودي بين سوريا والأردن بوجود قوات روسية.
وقال المحاميد في تصريحات صحفية، عاد وأكدها في بيان توضيحي إنه “شخصيا مع عودة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على تراب سوريا، وفتح المعبر بوجود قوات روسية وعدم السماح لإيران والميليشيات المرتبطة بها وميليشيا حزب الله اللبناني بالوجود في الجنوب”، مستدركا أنه يتحدث عن “مؤسسات الدولة وليس النظام”.
وأكد المحاميد أن الدعم العسكري متوقف كليا على فصائل الجنوب السوري، بينما يتلقى “الجيش السوري الحر” والمجتمع المدني خمسة وخمسين ألف سلة مساعدات غذائية من دولة الإمارات.
ويقول متابعون إن محاميد يتولى بأموال إماراتية تمويل بعض فصائل الجنوب بعد توقف دعم غرفة الموك، لكنه في المقابل اشترط على تلك الفصائل تجميد العمل العسكري ضد قوات النظام.
وكان “الجيش السوري الحر” قد اشترط على الحكومة الأردنية في أيلول العام الماضي الحصول على قسم من الأرباح العائدة من معبر نصيب الحدودي مقابل إعادة فتحه، بينما تمسك النظام بسيطرته الكاملة على المعبر في حين اشتكى الأردن من خسائر قدرت بأكثر من مليار دولار جراء إغلاق المعبر. وسيطرت فصائل المعارضة على معبر نصيب الحدودي مطلع نيسان 2015، بعد اشتباكات مع قوات النظام.
وحسب مصادر إعلامية، فإن مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكي، ديفيد ساترفيلد طرح على دول المنطقة عرضا يقضي بانسحاب جميع الميليشيات السورية وغير السورية إلى عمق خمسة وعشرين كيلومترًا من الحدود الأردنية، مع عودة قوات النظام إلى الحدود ومؤسسات الدولة إلى درعا، إلى جانب إعادة فتح معبر نصيب وتشكيل آلية أمريكية- روسية للرقابة على تنفيذ هذه البنود.
ولم تتضح بعد كل تفاصيل المشهد في درعا، حيث تواصل قوات النظام التدفق إلى درعا، خاصة “قوات النمر” التي تحظى بدعم روسي، والتي من المرجح أن تحل مكان الميليشيات الإيرانية التي يثير وجودها في الجنوب حفيظة كل من إسرائيل والأردن.
ودخلت محافظة درعا ضمن مناطق “”خفض التصعيد” بعد الاتفاق الموقع بين روسيا والولايات المتحدة والأردن، في تموز 2017، رغم أن تفاصيل كثيرة حول آليات تطبيق هذا الاتفاق ما تزال غامضة.
تخضع محافظة درعا لاتفاق خفض التصعيد من تموز العام الماضي، وتعرض الاتفاق لخروقات متكررة من نظام الأسد والميليشيات الإيرانية
مناشير في إدلب
وكما فعلت في درعا، ألقت مروحيات النظام مناشير على عدة مناطق في محافظة إدلب، تضمنت عبارات وتهديدات إلى الأهالي بالتوجه إلى “المصالحة” مع النظام.
وجاءت المناشير على المحافظة عقب الانتهاء من نشر نقاط المراقبة التركية والحديث عن وقف إطلاق نار شامل بين النظام والمعارضة، على الرغم من أن استمرار القصف الجوي من الطيران الروسي على إدلب، وخاصة أطرافها الجنوبية المتداخلة مع ريفي حماة الشمالي والغربي.
وتعيش إدلب حالة من الفلتان الأمني فرضتها مجموعات مسلحة لم تحدد تبعيتها، وقتلت في الأيام الماضية العشرات من المدنيين والعسكريين، آخرهم خمسة عناصر من الدفاع المدني في ريف حلب الجنوبي.
وفي سياق ما يبدو انه ترتيبات جديدة في إدلب، صدر تصريح لافت عن “هيئة تحرير الشام” اعتبرت فيه أن علاقتها مع تركيا مستمرة ومتوازنة بما يحقق الأمن والاستقرار في الشمال السوري، وخاصة محافظة إدلب.
وقال مسؤول إدارة الشؤون السياسية في الهيئة “يوسف الهجر” في تصريحات صحفية إن تركيا شكلت عمقًا حقيقيًا للثورة السورية، رغم تبدل مواقفها السياسية، عدا عن احتضانها لملايين اللاجئين السوريين وصون كرامتهم، وأشار الهجر الى أن “تحرير الشام” دعمت نشر نقاط مراقبة عسكرية لتركيا في الشمال السوري.
ويعتبر هذا الموقف لـ “تحرير الشام” مختلف كليا عن المسار الذي اتخذته على مدار السنوات الماضية من عملها العسكري في الشمال.
التعفيش مجددا
وخلافا لخطاب المصالحة الذي لجأ إليه إعلام النظام في الآونة الأخيرة بهدف تثبيت مكتسباته على الأرض، جاءت نشر عشرات الصور ومقاطع الفيديو المسربة لعناصر قوات النظام والميليشيات التي تقاتل معها وهم يسرقون أثاث وممتلكات المواطنين في مناطق المعارضة التي تستعيدها حديثا قوات النظام بعد تهجير جزء من أهلها، محرجة بعض الشيء قوات النظام خاصة مع قيام الشرطة العسكرية الروسية باعتقال بعض عناصر قوات النظام المتورطين بعمليات السرقة في جنوب دمشق. وقالت قاعدة حميميم الروسية في سورية إنها ستتعامل بحزم مع عمليات التعفيش التي ارتكبها عناصر قوات النظام في جنوب العاصمة.
وبدأت عمليات النهب والسرقة بعد أن سيطرت قوات النظام والمجموعات الموالية لها على جنوب العاصمة دمشق، حيث انتشرت عشرات الصور ومقاطع الفيديو التي تظهر جنود النظام وعناصر الميليشيات وهم ينقلون بكل الوسائل المتاحة أثاث وممتلكات المواطنين في تلك المناطق، حتى أمام أعين أصحابها.
وقال ناشطون إن عناصر تلك الميليشيات قتلوا طفلين فلسطينيين من أبناء مخيم اليرموك لاعتراضهما على سرقة منازل المخيم.
يقوم عناصر ميليشيات نظام الأسد بسرقة البرادات والغسالات وأثاث المنازل وينقلونها إلى أسواق التعفيش في دمشق لبيعها.
ضربات إسرائيلية
وفي غضون ذلك، واصلت اسرائيل تطبيق سياستها المعلنة باستهداف الوجود الإيراني في سوريا حيث تقول أنها لن تسمح لإيران أبدا بتثبيت أقدامها في سوريا.
وقد قتل واحد وعشرون عسكريا كانوا في المطار بينهم تسعة إيرانيين خلال قصف يرجح أن يكون إسرائيليا استهدف مطار الضبعة العسكري في ريف حمص الجنوبي الذي تنتشر فيه ميليشيا “حزب الله” اللبنانية.
ويقع مطار الضبعة العسكري قرب قرية الضبعة شمال شرق مدينة القصير جنوب غرب حمص التي يبعد عنها بنحو 30 كيلومترا، ويتكون من 16 حظيرة ومدرج رئيسي واحد يبلغ طوله حوالي 3 كيلومترات، مع ممر مواز بالطول نفسه تقريبا. وفي يوم 18 أبريل نيسان 2013 أعلن “الجيش السوري الحر” سيطرته على المطار بعد اشتباكات مع قوات النظام المدعومة بعناصر من ميليشيا “حزب الله”.
وتعتبر منطقة القصير في حمص القريبة من الحدود اللبنانية مركزاً حيويا لـ”حزب الله” والحرس الثوري الإيراني، وتضم مستودعات أسلحة ومراكز تدريب لتلك الميليشيات.
وتعرضت العديد من المطارات والقواعد العسكرية التابعة لنظام الأسد، لضربات جوية في الفترة الأخيرة، حيث نفذ الطيران الإسرائيلي غالبية تلك الضربات.
وسبق ذلك بيوم واحد قصف استهدف محيط محطة T2 في البادية شرقي سوريا، حيث تشكل المحطة المذكورة نقطة عسكرية لقوات النظام، وفق ما أعلن النظام الذي اتهم طيران التحالف الدولي بالمسؤولية عن الهجوم، وهو ما نفته واشنطن.
وكان قتل أكثر من أربعين شخصا نتيجة بعد سلسلة الانفجارات التي تعرض لها مطار حماة العسكري قبل أيام قليلة.
معارك الشرق
كما تدور مواجهات بين تنظيم “داعش” وقوات النظام في بادية مدينة الميادين في ديرالزور شرقي سورية حيث نصب تنظيم “داعش” كمينا لرتل عسكري من قوات النظام كان متوجها نحو شرق دير الزور وقتل العشرات منه وأسر آخرين.
وذكرت مصادر محلية أن قوات النظام أرسلت تعزيزات كبيرة إلى البادية السورية وريف حمص الشرقي مؤلفة من عشرات الآليات ومئات الجنود، وذلك في مسعى منها لتعزيز مواقعها وتحصين نفسها ضد أية هجمات جديدة من جانب تنظيم “داعش” الذي عاود نشاطه في الأسابيع الأخيرة، وبات يشن المزيد من الهجمات على مواقع النظام، أسفر آخرها في بادية حمص الشرقية عن مقتل وإصابة العشرات من قوات النظام.
كما تشهد منطقة شرق الفرات اشتباكات بين التنظيم و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) خاصة على أطراف بلدة هجين في ريف دير الزور الشرقي، تترافق مع قصف جوي تنفذه طائرات التحالف الدولي على محاور القتال وبلدة هجين، إضافة الى قصف صاروخي.
وحسب مصادر محلية، فقد تمكنت “قوات سوريا الديمقراطية” من تحقيق مزيد من التقدم بغطاء جوي وصاروخي، والاقتراب أكثر من بلدة هجين التي يعتقد أن فيها عدد كبير من قيادات الصف الأول في تنظيم “داعش” غالبيتهم من الجنسية العراقية وجنسيات أجنبية.
وكان لافتا إعلان روسيا مقتل “مستشارين عسكريين” لها في مدينة دير الزور شرقي سوريا، بعد يوم من إعلان تنظيم “داعش” عن قتل مجموعة من عناصر قوات النظام بينهم روس في هجوم له بمحيط مدينة الميادين.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عن مقتل أربعة مستشارين عسكريين روس وإصابة ثلاثة آخرين في محافظة دير الزور “نتيجة استهدافهم من قبل المجموعات الإرهابية”.
وأوضحت الوزارة أن المستشارين العسكرين الروس كانوا موجودين في نقطة لقوات النظام، أثناء تعرضها للهجوم من قبل من وصفتهم بـ”المجموعات الإرهابية”، مضيفة أن العسكرين الروس “ساعدوا قوات النظام في صدّ الهجوم والقضاء على ثلاثة وأربعين مسلحا، وتدمير ست سيارات مجهزة بأسلحة ثقيلة”.
وكان تنظيم “داعش” أعلن مقتل أكثر من خمسة عشر عنصرًا من قوات النظام والقوات الروسية في هجوم على مواقعهم في محيط مدينة الميادين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث