صدى الشام _ محمد كساح/
في ليلة بارِدة من ليالي كانون الثاني، جلس عبد الحميد بالقرب من المدفأة المتوقدة، التصَق بالمدفأة أكثر فأكثر؛ لأنَّ البرد كان شديداً في تلك الليلة.
كان يَسهر وحيدًا حيث غابت زوجتُه الحامل في نومٍ عميق منذ أكثر من ساعتين، ذهب إلى المطبخ وأحضر ركوة القهوة والوعاء الذي يضع فيه البن وفنجاناً نظيفاً.
انتظر لحظات حتى غاب لهب النار وأصبحت المدفأة جاهزة ليغلي عليها قهوته المسائية.
حرك قطعَ الجمر بملقط صغير يضعه دائماً إلى جانب الموقد، وسوَّى الجمرات المتَّقدة الحمراء، وخدُّه الأيمن يَلمع من الوَهج، ووضع الركوةَ عليها بعد أن دقَّ بالفنجان حبات من الهيل قاذفاً إياها داخل الماء، الذي اقترب من الغليان سريعاً؛ لأن جمر حطب الزيتون كان مرتفع الحرارة جداً.
انتظر عبد الحميد قليلاً وهو يفكر، كان غارقاً في تأمل موضوعٍ هام!
وما هي إلَّا لحظات حتى سمِع غليان الماء، فسارَع إلى وضع ملعقتين من البنِّ داخل الركوة، التي فارَت كبركانٍ صغير ولكنه غير مؤذٍ على الإطلاق، ما جعل رائحة القهوة مع الهيل تَفوح في أرجاء الغرفة.
أحسَّ بشعور جميل، وراودَته أفكار خلَّاقة في هذه اللَّحظات، وربما امتزج ذلك مع دفقات من الفرَح وشيءٍ من الأمل في لحظةٍ ما، لكن ذلك كله سرعان ما تلاشى مخلّفاً الحزنَ والكمد؛ فقد كان الموضوع الذي يؤرِّق فكر عبد الحميد طاغياً على تفكيره وأحاسيسِه.
اليوم صباحاً فتح خزانة المؤونة في مطبخه، فصُدم لِما رأى، لقد كانت الرُّفوف فارغة تماماً إلَّا من كيلوين من الأرز لم يتبقَّ غيرهما، منذ تلك اللَّحظات انتابه شعور مخيف؛ إنَّه حصار جديد يمرُّ متابعاً سلسلة الحصارات الماضية التي ولَّت وولَّى معها تعبها وحزنها والآلام التي سبَّبتها.
منذ شهر والمدينة محاصرَة، ومنذ ثلاثة أشهر تقريباً كان عقد زواج عبد الحميد، لم يفرَح إذاً ببهجة العرس، ولم يتمتع بالزواج سوى شهرين اثنين.
– شهران فقط، شهران، إنَّه ظلم، ظلم فظيع، ما أقسى ذلك! لم يتبقَّ شيء لنأكله أنا وهذه المسكينة.
كان هذا ما خاطَب به نفسه في صمْت، دون أن يحرِّك شفتيه ناظراً بحزن مشوب بالشفقة إلى الفتاة الصغيرة التي لم تَبلغ السادسة عشرة من زهرات ربيعها.
– إنها نائمة.. مسكينة، لا تَعلم ماذا تخبِّئ لها الأيام من متاعب. وحامل أيضًا.. يا للعذاب الذي سوف تكابِده في الأيام المقبلة!
هذه الأفكار جعلَته ينسى ركوةَ القهوة على الجمر، لكنَّ فوران البنِّ وصوت ارتطامه بالجمر جعله ينتبه، فرفع الركوةَ وأخذ يصب فنجاناً من القهوة، كان يصبه ببطء وعناية ليتسنى له تأمل مشهد امتلاء الفنجان الأبيض بالسائل الأسود، ورويداً رويداً كانت القهوة تغطِّي هذا البياض الناصع وتملأ الفنجان.
– ما أجمل أن يعيش المرء وكل شيء مؤمَّن له؛ الطعام، المال، الكساء، الأمان، الدّفء، كلُّها أشياء اعتاد النَّاس على وجودها ولم يفكروا يوماً من الأيام في أنهم سيفتقدونها.
لكن هذا الحصار المريع – وضغَطَ على أسنانه بشدَّة – هذا الحصار القاسي، إنه رهيب حقّاً، وحش مفترس، لا يُبقي ولا يذَر، لم يَبْق إلَّا رمق أخير ونموت جوعاً، ماذا أفعل يا ربّ؟ ماذا أفعل وزوجتي الحامل تَشتهي قطعة السكر ولا تجدها، ماذا يمكنني أن أقدم لها؟
إنَّها عروس جديدة، يا حرام! إنها صغيرة كالوردة الناضرة التي سيذبلها الجفاف، ودمعت عيناه بصمت حين شرع في التفكير في زوجته الصغيرة، وعجْزه عن تقديم أبسط الأشياء إليها.
وكانت الأفكار تصطرع في ذهنه كأنها الأمواج المتلاطمة، وكان عبدالحميد حائراً خائر القوى، وبدا له الحصار في هذه اللَّحظة بمثابة شبح مخيف يفتح ذراعَيه العاريتين اللتين بدت عروقهما ونفرت بشكل مروّع، هاجِماً على عبدالحميد يريد التهامه بأنياب مسننة كالخَنجر!
لم تعجِب هذه الصورة عبدالحميد فوضع فنجان القهوة جانباً وشرع يذرَع الغرفة جيئةً وذهاباً.
– آمُل أن يفتح الطريق في الأيام القريبة.
سوف أستدين؛ أدبِّر المالَ من أيّ مكان ومن أيّ شخص كان حتى لا أقع في مثل هذا الحِصار؛ سوف أشتري البرغل والفول والطّحين، وأتزوَّد بكميات لا بأس بها من التمر والسكر والحلوى.
آه على كأس شاي أخضر محلًّى بالسكُّر الأبيض، يا لروعته وأنا أحمله بهذه اليد.. ورفع يده عالياً، عندما أرتشفُه كاملًا سوف أعبِّئ كأساً أخرى، وأخرى حتى أملَّ من الشرب.
“آه لو أنَّ أمامي الآن في هذه اللَّحظة صدر كنافة أو صينية من الهريسة مممم”، وتلمَّظ عبدالحميد وسال ريقُه لمشهد الكنافة والهريسة “ممممم، كنتُ سألتهمها دفعةً واحدة، في مجلسٍ واحد”.
إنَّ في جسدي جوعاً ضخماً، لا، بل كلمة ضخم لا تَفي بالغرض، إنَّه جوع من نوعٍ آخر، ربَّما لا يَشعر به إلا المحاصَر، يا ليتني أتخلَّص منه الساعة! متى ستأتي تلك اللَّحظة التي يقال فيها: إن المعبَر قد فُتح، ونشاهد البضائع والأغذية تدخل، والمحلات التجارية تُفتح؟
وعلى ما يبدو فإنَّ صاحبنا قد تعِبَ من المشي، فجلس على كرسيّه بجانب المدفأة، ورشف من فنجان القهوة ما شاء اللهُ له أن يرشف، ممسكاً كتاباً كان قد بدأ بالقراءة فيه منذ ليلة أمس.
وهكذا أمضى ليلته باردة مملَّة، كان جائعاً بائساً، وكان متعباً جداً؛ إنَّ قواه كانت خائرة إلى أبعد الحدود.
وبعد نصف ساعة ترك كتابه جانباً بعدما ملَّ من القراءة، وخلد إلى النَّوم إلى جانب زوجته الطِّفلة وقد ألحَّ عليه هذا الخاطر: كم من شخص في المدينة سهر ليلتَه على هذه الطَّريقة، وبنفس تلك الأفكار وبهذا البؤس المزري!
وقال عبد الحميد مجيباً عن هذا السؤال: “إنَّهم كثيرون من غير شكّ”، ولكنه أجاب هذه المرة بصوت مسموع ما جعل زوجته تستيقظ من نومها وتقول له:
– ما بكَ يا عبدالحميد؟ هل شاهدتَ حلماً مزعجاً؟
وأنهى عبدالحميد ليلتَه بالقول: نامي يا عزيزتي؛ فالصَّباح رباح، تصبحين على خير.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث