الرئيسية / منوعات / منوع / المرحلة الأسدية

المرحلة الأسدية

خضر الآغا

ربما لا نملك الوقت الآن، ولا راحة
البال لنفكر بسوريا المستقبل. ففي غمرة المعارك والقصف اليومي والتدمير والتهجير
والتفقير والعوز والرعب الذي يعيشه سوريو الداخل وسوريو المخيمات في الدول
المجاورة، يبدو أي تفكير بغير وقف القتل أولاً، وعودة المهجرين نوعاً من الترف
والرفاهية لا يقوى عليه السوري الآن. مع هذا، يمكننا التفكير بأمر مهم للغاية
حققته الثورة، وإن بتكلفة قل نظيرها في تاريخ الأمم والشعوب، هذا الأمر هو ما خرج
السوريون لأجله منذ آذار 2011 والمتمثل في إنهاء المرحلة الأسدية وإزالتها من
سوريا الحاضر والمستقبل، وبالتالي النظر إليها من التاريخ على أنها مرحلة سوداء
جداً. هذا الأمر تحقق فعلياً على أرض الواقع. وما تشهده البلاد هو الدمار الأخير
الذي يقوم به النظام قبل أن يغادر بلا عودة. وقد سبق وقال المفكر اللامع عبد
الرحمن الكواكبي -وهو من أكثر المفكرين في العالم الذين كشفوا ما هو المستبد، وكيف
يفكر، وكيف يتصرف، وكيف ينتهي أيضاً- في كتابه “طبائع الاستبداد”: “إن
فناء دولة الاستبداد لا يصيب المستبدين وحدهم بل يشمل الدمارُ الأرضَ والناس
والديار، لأن دولة الاستبداد في مراحلها الأخيرة تضرب ضرب عشواء كثور هائج أو مثل
فيل ثائر في مصنع فخار، وتحطم نفسها وأهلها وبلدها قبل أن تستسلم للزوال. وكأنما
يُستَحَق على الناس أن يدفعوا في النهاية ثمن سكوتهم الطويل على الظلم وقبولهم
القهر والذل والاستعباد”. وهذا تماماً ما يفعله النظام منذ ما يقرب من الخمس
سنوات.

إذاً، عندما نفكر بسوريا، نفكر
بحجم الويلات التي تتعرض لها البلاد والعباد، نفكر بالزمن المتبقي من عمر النظام،
ولا نفكر ببقائه، السوريون والعالم يعرفون جميعاً أن النظام انتهى وأنه مغادر، وأن
ما يجري دولياً الآن هو ترتيبات المصالح والنفوذ في المنطقة، ومراهنات الدول هي
على بقاء النظام لفترة تطول أو تقصر ريثما ينهي العالم رسم خرائط مصالحه ثم يرحل
فعلياً… كل هذا نعرفه نحن والعالم، لكننا نفكر بالزمن المتبقي لأن الزمن السوري
ثمنه الدم السوري، وهذا ما يشلّنا عن التفكير الصحيح، ويمنع عنا التقدم ولو خطوة
باتجاه ما بعد زوال النظام.

عملياً، المرحلة الأسدية انتهت من
حاضر السوريين ومستقبلهم، ولّت إلى الأبد، سوف يكتبها التاريخ بوصفها المرحلة
الأكثر هولاً وفظاعة، وسوف يذكرها بوصفها المرحلة التي جعلت سوريا تتراجع على كافة
المستويات: الاقتصادية، السياسية، البيئية، الديمقراطية، والاجتماعية… وهذا
إنجاز حققه السوريون براحة ضمير، وبدماء كثيرة.

بالنسبة للسوريين ستكون المرحلة
الأسدية شبيهة بالمرحلة النازية بالنسبة للألمان. لقد تجاوز الألمان تلك المرحلة
على نحو باهر. فقد خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية مدمرة على نحو شبه كامل،
ومقسمة إلى أربعة أقسام، كل قسم تحتله دولة من الدول المنتصرة في الحرب، وبملايين
القتلى… الآن تعتبر ألمانيا من دول العالم القوية اقتصادياً –ربما هي الدولة
الأقوى على مستوى أوربا- والمتقدمة ثقافياً واجتماعياً. وفي القوانين الألمانية
مواد خاصة تتعلق بتجريم من يستخدم الرموز النازية… وقد بات من الصعب على الشعب
الألماني أن يعيد أو يسمح بإعادة تلك الفترة أو ما يشبهها، إنها المرحلة الظلامية
في ألمانيا. المرحلة الأسدية هي بالتأكيد أشد صلافة ودموية، فقد تم تدمير البلاد
والعباد على يد النظام المحلي وليس على يد الأعداء في الخارج! إلا أنها تشبهها من
حيث زوالها وعدم السماح بإعادتها أو إعادة مايشبهها، إنها، أيضاً، المرحلة
الظلامية في سوريا.

قد يكون تفكيرنا بهذا الأمر، بهذا
الإنجاز، عاملاً مساعداً على التفكير بإنجازات أخرى حققتها الثورة، وإن بأثمان
شديدة الارتفاع، وذلك كي لا نبقى في غمار الحسرة والألم والتألم فقط، قد يساعدنا
هذا التفكير على الشعور أننا أوفينا الشهداء والمعتقلين والمفقودين بعضاً من
حقوقهم، وأنجزنا بعضاً من تطلعاتهم.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *