ثائر الزعزوع
لا يبدو أن ثمة حلاً قريباً في الأفق، الحلول كلها مؤجلة، الأطراف
المعنية بالحالة السورية، وهي جميعها ليست سورية، تتريث، فنزيف الدماء لا يعنيها
والدمار الهائل لا يعنيها، ما يهمها بالدرجة الأولى هو مصالحها، الطريقة المثلى كي
يخرج كل طرف من الأطراف ويقول انتصرنا في سوريا. هذه لعبة السياسة المعروفة منذ
فجر التاريخ، ومنذ أن بدأ البشر مزاولة مهنة السياسة، تبادل الأدوار الذي نراه بين
الحين والآخر لا يعدو عن كونه جزءاً من السيناريو المعد بطريقة متقنة لإنجاز كل ما
تم الاتفاق عليه بعيداً عن وسائل الإعلام في الغرف السرية التي يتبادل فيها
“المتخاصمون” علناً الأنخاب، ويضحكون. الخاسر الوحيد هو الشعب السوري
بكل تأكيد، حتى أولئك المدعون بالخشية والحرص على الخلاص هم في أحسن الحالات أصحاب
مصالح وأجندات ويريدون الاستيلاء على السلطة، لأنهم لن يخرجوا من “المولد بلا
حمص” كما يقول المصريون، كل يريد حصته، وأنت أيها السوري ما هي حصتك؟ لا تفكر
فيها كثيراً، أنت أصلاً لم تنتفض لتحصل على حصة، ولم تفقد كل شيء لتعوضه لاحقاً،
فلست تاجراً ولا سياسياً، أنت شعب، الكل يتاجر باسمك ويتحدث عنك، ويريد أن يلتقط
صورة معك، ولا يمانع في مسح دمعتك، لكن عندما يحين الوقت سينسى أنك موجود أصلاً،
وسيتحول إلى “هباش” شاطر، يريد أن يهبش أكثر من سواه، فقد دفع أكثر من
سواه.
سألت أحد رجال الأعمال، والذي كان يمول مشروعاً إعلامياً ثورياً، لماذا
تصرف هذه الأموال كلها، وتخسر هذه الخسائر، حتى أنك قد تفقد مصالحك في البلد الذي
تقيم فيه منذ ربع قرن من الزمان؟ فقال ودون أي تردد: لدينا مشاريع كبيرة سننفذها
بعد سقوط النظام، كل ما نقدمه الآن سنعوضه مستقبلاً، لدينا مشاريع لإعادة الإعمار،
ومشاريع إعلامية، ونحن نعمل على وضع المخططات كاملة. كان هذا الكلام منذ سنتين،
أما وقد طال عمر الثورة فإن التاجر المذكور قرر أن يقفل مشروعه الإعلامي ويعود إلى
تجارته، قبل أن يخسر أكثر. وللأمانة فقد نسي الثورة وأهلها من يومها، ولم يعد
مستعداً لكتابة بوست صغير على الفيس بوك يعبر فيه عن إيمانه بالثورة، أو حزنه على
ما حل بسوريا.
حدثني أحد العناصر السابقين في إحدى الكتائب التي كانت تقاتل النظام على
تخوم العاصمة دمشق في العام 2013، عن سبب هربه وتركه سلاحه، وقال إن قائد تلك
الكتيبة كان يتلقى دعماً كبيراً من أحد التجار في دمشق، وأن التاجر المذكور كان
يشترط على قائد الكتيبة إبقاء مقاتليه بعيدين عن واحدة من المناطق لأنه يملك جمعية
سكنية قيد الإنشاء فيها ولا يريد أن يخسر قبل أن يتمكن من جمع اشتراكات الجمعية من
المنتسبين، بل إن الكتيبة في بعض الأحيان، كانت تقوم بحماية تلك المنطقة من هجمات
قوات النظام. وعندما علم بعض عناصر الكتيبة بذلك الأمر اختلفوا مع قائد الكتيبة
الذي اتهمهم بأنهم أعداء للثورة التي قدم من أجلها أحد أشقائه شهيداً، ولهذا فقد
فضل هو ومجموعة من أعضاء الكتيبة الفرار ليلاً، وهذا ما حدث، وقد بايع قائد
الكتيبة بعد ذلك تنظيم داعش وتحول إلى أحد قادتهم. لا يعني ذلك على كل حال، أن ثمة
خللاً في الثورة، لكن وللتذكير فقط، فهي ثورة شعب وليس ثورة فلان أو فلان. ولعل
دارسي التاريخ والمطلعين على فصوله يدركون أن جميع الثورات التي قامت حاول الكثير
من المتسلقين ركوبها والتسلق على أكتاف ناسها، وقد نجح بعضهم، كما حدث في
الاحتجاجات الإيرانية ضد شاه إيران التي ركبها الخميني وحولها إلى الثورة
الإسلامية، وصادر الثورة وأهلها وجعلهم جميعاً أسرى استبداده القميء الذي لا يختلف
في شيء عما كان يفعله الشاه، بل ربما كان أشد قماءة.
أحد الصحفيين ما زال حتى يومنا هذا، ورغم مرور أربع سنوات ونصف على
انطلاقة الثورة، ما زال يذكر الناس كل يوم بموقف اتخذه في الأشهر الأولى، وهو يمهد
الطريق لنفسه ليكون فاعلاً بعد سقوط الأسد، بل إنه لم يجد حرجاً حين كتب مرة إن
لديه رؤية واضحة لكيفية إصلاح الإعلام لاحقاً، وما هي السبل التي يمكن أن يتبعها
من خلال التجربة التي اكتسبها خلال هذه الفترة الطويلة.
على الضفة الأخرى يجلس بشار الأسد رئيساً لعصابة يكرر كل يوم بأنه لا
يريد البقاء في السلطة، وأنه ليس مهتماً بالمناصب ولا بالرئاسة، وهذا الكلام
سمعناه ملايين المرات. ويقول بشار إنه حريص على الشعب، وعلى حياة المواطنين، ونعلم
من التفاصيل الكثيرة أن ثمة بعض قادة كتائب بشار من يفعلون فعل قائد الكتيبة ذاك،
وإن بعضهم صار يتبع إيران بشكل مباشر، وقد يغير ولاءه الآن ليصير تابعاً لروسيا
التي تصدرت المشهد حالياً. كل هذا يحدث باسم الشعب على الجانبين؛ الشعب الضحية
الذي يموت جراء سقوط البراميل، والذي يموت لانعدام الكهرباء في المستشفيات، والذي
يموت بسبب انتشار الأمراض والأوبئة، والذي يموت غرقاً. هو الشعب الذي يموت، بينما
الآخرون يراقبون… عاش الشعب ويسقط الجميع.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث