أحمد العربي
ظاهرة الهجرة ليست أمراً طارئاً أو
جديداً، وإن كان تزايد أعداد المهاجرين بسبب الظروف الراهنة التي تشهدها عدة دول
في العالم، وبخاصة الشرق الأوسط، أدت إلى تسليط الضوء بشكل كبير على هذه الظاهرة
القديمة الجديدة، والتي ستستمر ما استمرت الإنسانية بالوجود، بسبب اتساع الفجوة في
معدل النمو السكاني بين الدول المتقدمة والدول النامية. حيث أنه بالإضافة إلى اختلال
التوازن القديم والجديد في الموارد والثروة، فقد برز عدم توازن ديمغرافي بين الجنوب
(الدول النامية) والشمال (الدول المتقدمة)، ففي الجنوب يوجد فائض من العمالة نتيجة
ارتفاع معدل النمو السكاني، بينما يتصف الشمال بانخفاض معدل النمو السكاني وشيخوخة
السكان، وبالتالي إمكانية حدوث تقلبات في سوق العمل باتجاه معاكس حين يكون الطلب في
قطاعات معينة أعلى بكثير من العرض.
أوروبا تشيخ
لم يعد في مقدور البلدان الأوروبية إغلاق أبوابها
بوجه المهاجرين الجدد، حيث أن معظم هذه البلدان سوف تواجه في المستقبل تحديات الانكماش
السكاني والاقتصادي نتيجة تحمل خزينة الدولة ومنظومة الحماية الاجتماعية أعباء الرواتب
التقاعدية التي يتقاضاها شريحة كبار السن مع تزايد عددهم. فاليوم يوجد في أوروبا
35 موظفاً على المعاش مقابل 100 موظف في العمل، وسوف يصل هذا المعدل في غضون 30 سنة،
إلى 75 موظفاً على المعاش مقابل 100 موظف على رأس عمله. وهناك إحصائيات أخرى تشير إلى
إنه في بلدان مثل إسبانيا وإيطاليا، سيكون هذا المعدل واحد مقابل واحد.
بالإضافة لذلك، أظهرت إحصائيات أن ثلث سكان أوروبا
سوف يتجاوزون سن الـ50 عاماً بحلول عام 2015، وهذا ما دفع بعض المعلقين الأوروبيين
إلى القول: إن أوروبا تشيخ، وحذروا من خلل ديموغرافي تتعرض له قارة أوروبا، خلال عقود
قليلة؛ بسبب ارتفاع نسبة الشيخوخة بين سكانها، إلى الحد الذي يمكن أن يهدد نمو هذه
المجتمعات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
حذر بعض المعلقين الأوروبيين من خلل ديموغرافي
تتعرض له قارة أوروبا، خلال عقود قليلة؛ بسبب ارتفاع نسبة الشيخوخة بين سكانها، إلى
الحد الذي يمكن أن يهدد نمو هذه المجتمعات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي
وأكدت دراسة نشرها المجلس الأوروبي، أن الشعب الأوروبي
سيصبح شعباً مسناً، بنسبة تتراوح بين 13% و23%، بحلول عام 2050، مقارنة مع أرقام عام
1995.
وعلى سبيل المثال، فإن عدد الفرنسيين الذين تجاوزوا سن الستين يبلغ الآن 10
ملايين فرنسي من أصل 55 مليونا، ومن المتوقع أن يصبحوا 51 مليون مسن عام 2020، في الوقت
الذي لن تحدث أية زيادة في العدد العام للسكان.
كارثة محققة
يفضل كثير من الأوروبيون الزواج المتأخر، وإنجاب
عدد قليل من الأطفال ـوفي أحيان كثيرة عدم الإنجاب تماماـ وهو ما أدى إلى أن تحتل أوروبا
أدنى مرتبة في العالم من حيث الخصوبة.
وتتوقع دراسات أن يتراجع سكان ألمانيا من 79 مليون
نسمة الآن، إلى 60 مليون نسمة عام 2020.
ويقول خبراء: إن هذه ستكون كارثة محققة، خاصة أن
جيران القارة في الجنوب والشرق يشهدون ـحاليًّاـ ثورة كبرى في المجال الديموغرافي.
فالجزائر مثلاً، سيصل عدد سكانها إلى 50 مليونا العام 2020، وتعداد مصر سيقفز إلى نحو
100 مليون نسمة.
يرى خبراء اقتصاديون وديموغرافيون أن الهجرة
الأجنبية تكاد تصبح حتمية لإنقاذ قارة أوروبا من التناقص الملحوظ في عدد السكان.
وفي مواجهة هذا الخلل الديموغرافي، يرى خبراء اقتصاديون
وديموغرافيون أن الهجرة الأجنبية تكاد تصبح حتمية لإنقاذ قارة أوروبا من التناقص الملحوظ
في عدد السكان، والمساعدة في سد حاجة أوروبا إلى الأيدي العاملة.
رفاه المواطن الآوروبي
يضمنه المهاجر
وفي يوليو (تموز) الماضي، أصدر مركز سياسات الهجرة،
ومقره فلورنسا، كتيباً جديداً حول المهاجرين، يسعى من خلاله لدحض الأفكار المسبقة والتصورات
الخاطئة الراسخة في أذهان المواطنين الأوروبيين حول تأثير المهاجرين السلبي على حياتهم،
وقد عرض مدير المركز، فيليب فاراج، هذا الكتيب في بروكسل خلال مؤتمر صحافي عقده بالاشتراك
مع المفوضة الأوروبية المكلفة بالشؤون الداخلية سيسليا مالمستروم.
وقال: «نسعى إلى تصحيح الأفكار الموجودة لدى الناس
عن المهاجرين، التي طالما استخدمها المتطرفون داخل أوروبا وسائل لتعزيز الشك بالقيم
الأوروبية». ويركز الكتيب على 8 معتقدات خاطئة لدى المواطنين الأوروبيين مرتبطة بالهجرة
والمهاجرين، منها أن أوروبا ليس بحاجة إلى مزيد من المهاجرين: «وهذا خاطئ تماماً، لأن
الشعوب الأوروبية تشيخ، فنحن بحاجة إلى المهاجرين من أجل ضمان الاستمرار ومواجهة تحديات
شيخوخة الأفراد».
بحسب فيليب فاراج: “أن الشعوب الأوروبية
تشيخ، فنحن بحاجة إلى المهاجرين من أجل ضمان الاستمرار ومواجهة تحديات شيخوخة الأفراد”.
ووصف فاراج بـ«المغلوطة» الفكرة القائلة إن أوروبا
لا تحتاج إلى عمالة غير مؤهلة، مؤكداً أن الشعوب الأوروبية قد تحجم عن القيام ببعض
الأعمال الصغيرة، ويجب البحث عمن يقوم بها.
وضرب مثالاً على ذلك الأعمال الزراعية والعناية بالحيوانات
في إيطاليا: «يقوم عمال هنود بأعمال زراعية وحلب الأبقار في المزارع الإيطالية، وهي
أعمال لا يرغب مواطنونا بالقيام بها»، وشدد على أن العمالة غير المؤهلة ستتيح فرصاً
أكبر للمؤهلين وأصحاب الكفاءات لإيجاد أعمال تتناسب مع مستوياتهم العلمية والمهنية.
أما حول ارتباط المهاجرين بالبطالة، فأشار معد الكتيب إلى أن الأمر خاطئ تماماً، فقد
«أثبتت الدراسات أن المهاجرين يبحثون عن البلدان التي تقل فيها نسب البطالة، ويميلون
إلى مغادرتها فيما لو لم تتوفر فرص العمل، وهذا ما حدث في إسبانيا إبان الأزمة الاقتصادية».
ويعرض الكتيب الكثير من الأوجه الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالمهاجرين، محاولاً
تبيان أن للهجرة وجوهاً إيجابية على أوروبا التعاطي معها والاستفادة منها. وتؤكد المفوضية
الأوروبية أن عملها هذا لا يتناقض مع السعي لمواجهة الهجرة غير الشرعية وما يتبعها
من مشاكل، بل إنها تسعى لقطع الطريق على كل من يحاول استغلال أفكار مغلوطة للدفع باتجاه
انغلاق أوروبي وانطواء على الذات.
تفضيل السوريين
رغم حاجة أوروبا الاقتصادية للمهاجرين كيد
عاملة، إلا أن الهاجس الأمني يبقى يؤرق المواطن والمسؤول الأوروبي على حدٍ سواء،
وخصوصاً مع العمليات الإرهابية الأخيرة التي شهدتها فرنسا. ويتجلى هذا الهاجس في
إمكانية تحول المهاجرين إلى إرهابيين يهددون أمن المجتمعات الأوروبية، خصوصاً مع
تدفقهم بأعداد كبيرة. لذلك نلاحظ تفضيل المهاجر السوري، كون الجالية السورية
القديمة في أوروبا من أفضل الجاليات الإسلامية من حيث بعدها عن التطرف وسرعة
اندماجها في المجتمعات التي تعيش فيها، مما يجعلها أفضل من جاليات المغرب العربي
أو باكستان أو مصر، التي ينتمي لها المتطرفون الإسلاميون في أوروبا. بالإضافة إلى أن
غالبية السوريين الذين وصلوا أوروبا خلال الأزمة هم من حملة الشهادات الجامعية أو
أصحاب المهن، ومن فئة الشباب، مما يوفر على الدول عبء تأهيلهم، فهم جاهزون
للانخراط فوراً في سوق العمل. يضاف إلى تلك الأسباب في تفضيل المهاجر السوري على
غيره، الحرج الذي تشعره به حكومات الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وألمانيا،
أمام مواطنيها، كونهم منذ بداية الثورة السورية كانوا داعمين لها بتصريحاتهم
ومواقفهم وإعلامهم الذي قام بعدة حملات تظهر بطش النظام السوري، لذلك لم تعد تلك
الحكومات قادرة على النأي بنفسها عن ملف المهاجرين.
تعتبر الجالية السورية القديمة في
أوروبا من أفضل الجاليات الإسلامية من حيث بعدها عن التطرف وسرعة اندماجها في
المجتمعات التي تعيش فيها.
ماذا سنستفيد نحن ؟؟؟
ومن الناحية الاقتصادية تشير بعض البيانات إلى أن
تحويلات المهاجرين على مستوى العالم لعام 2002 بلغت نحو 80 بليون دولار، وهذا المبلغ
يفوق حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلدان النامية، وأصبحت هذه التحويلات
عنصراً رئيسياً في ميزان مدفوعات كثير من الدول.
يجب أن ينظر إلى المهاجرين السوريين
على أنهم مبتعثون كالدارسين في الخارج، ليكونوا بعد عودتهم أساساً صحيحاَ لبناء
سورية المستقبل على أرضية علمية واجتماعية وسياسية حديثة.
أما الفائدة الأهم فهي الاجتماعية، كون تلك
الأعداد الهائلة من المهاجرين السوريين -والمنحدرين في غالبهم من المحافظات
السورية التي همشها النظام مما جعلها متراجعة اجتماعياً وثقافياً عن دمشق أو حلب–
ستكون بعد بضع سنوات رافعة ثقافية واجتماعية وعلمية لمناطقها، وهو أمر ما كان
ليحدث لولا هجرتهم نحو أوروبا. فلو تخيلنا أن تلك الأعداد ذهبت إلى الخليج العربي
مثلاً، فما الثقافة التي كانت ستنتقل إلى سورية عدا ثقافة السيارة الفارهة
والموبايل الحديث والكبسة؟ إذاً ظاهرة الهجرة إلى أوروبا بتلك الأعداد يجب أن ينظر
إليها من ناحية إيجابية، وإلى المهاجرين على أنهم مبتعثون كالدارسين في الخارج،
ليكونوا بعد عودتهم أساساً صحيحاَ لبناء سورية المستقبل على أرضية علمية واجتماعية
وسياسية حديثة تنسجم مع دول العالم المتقدمة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث