عبد
القادر عبد اللي
في
بدايات التشرد السوري الكبير، كنا نطالع في إعلام الثورة وعلى الفيس بوك، مدائحيات
كبرى للحكومة التركية، ومن الواضح تماماً أن الذين كانوا يُعدوّن تلك المدائحيات
لا يعرفون تركيا، وعلى الأغلب كانت تُعد في مكاتب المخابرات الإيرانية… سأذكركم
ببعض تلك المدائحيات: “تركيا تمنح اللاجئ السوري إقامة سبع سنوات، وتعطيه في
نهايتها الجنسية”، “من يتزوج من سورية ويطلقها يفرض عليه كذا ألف ليرة
غرامة”، “من يستضيف سوري يعفى من فواتير الكهرباء والماء”… علماً
أن الحكومة التركية نفسها لا تستطيع إعفاء نفسها من فواتير الكهرباء والماء، لأن
الكهرباء والماء ملك القطاع الخاص… وفي الفترة نفسها كان بعض عناصر الشرطة
التركية في مديريات الأمن (أنقرة مثالاً) يرفضون إعطاء الإقامة للسوري حتى وإن كان
لديه رصيداً كبيراً من المال ومستوفياً لشروط الحصول على الإقامة كافة، ويمكنه أن
يكفي نفسه بما لديه لمدة عامين، ويفرضون عليه كفيلاً بمواصفات لا تتوفر في واحد
بالمائة من المواطنين الأتراك، وهؤلاء من المستحيل على لاجئ إيجادهم… وإذا أعلنت
وزارة التربية التركية عن منح للطلاب الأجانب يحظى بغالبيتها الطلاب من أصول تركية
في الجمهوريات التركية المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي السابق، سرعان ما تتناقلها
وسائل الإعلام الثورية على أنها منح للطلاب السوريين حصراً، وهي “مكرمة”
من القيادة التركية الحكيمة.
من
جهة أخرى فقد كانت تعد مدائحيات للحكومة التركية حول الازدهار والنهضة التي حققتها،
وكان المضحك فيها أن الحكومة التركية رفعت قيمة الليرة لا أدري كم مئة ضعف… علماً
أن الليرة التركية لم تكسب أي نقطة في أي عام منذ تأسيس الجمهورية التركية حتى
اليوم…
عندما
أقرأ ما يكتبه السوريون اليوم عن ألمانيا أتذكر ما كانوا يكتبونه عن تركيا، وعندما
يكتبون عن ميركل أتذكر ما كانوا يكتبونه عن أرضوغان. فجأة أصبحت ميركل حبيبة
السوريين، وسرعان ما أصبحت صورها ترفع في كل مكان، وتكتب تعليقات المديح، وتؤلف
عبارات لم تقلها… حتى إن السذاجة تعتبر ألمانيا مسيحية، علماً أن الغالبية
العظمى من الألمان هم ملحدون، لأنه بحسب الديانة المسيحية من لا يُعمد لا يعتبر
مسيحياً.
صحيح
أن الحديث في الشريعة ليس من اختصاص السابلة من أمثالنا –كما هو الحديث في السياسة
تحت حكم الطاغية- ولكن ليس ثمة من لا يعرف المقولة المنسوبة لعمر بن الخطاب (رض): “رحم
الله امرئ أهدى إليّ عيوبي”. وابن الخطاب هو المثل الأعلى للعدل، وأول من وضع
أسس الدولة الإسلامية بمعناها كدولة، ولكننا على ما يبدو، سنبقى في الجاهلية
الأولى. المدائحية، والتي طالما استرجعها الملوك، وأثنوا عليها، وشجعوا الشعراء
على نظمها، إحدى أهم صفات الأدب العربي، والعقلية العربية.
باختصار،
هناك كثير من الناس يعملون بكل ما أوتوا لإثبات صحة مقولة الطاغية نائب محافظ
سورية الإيرانية بشار الأسد، بأننا لسنا ناضجين بعد لممارسة حقوقنا الديمقراطية.
وإذا كانت الديمقراطية كفراً وزندقة، فكيف نصف عبارة ابن الخطاب: “رحم الله
امرئ أهدى إليّ عيوبي”؟
لستُ
ضد المديح، ومن الواجب أن نثني على الأعمال الجيدة والخيّرة من أجل تشجيع الجيدين
والخيرين على الاستمرار بها. وهذا يشبه تماماً نقد تصرف الإنسان الخاطئ ليقومه.
ولكن الملاحظ أن المداحين بما هو خيالي ومصطنع، هم الأكثر سرعة بالانتقال إلى
الطرف الآخر، واستخدام ثقافة الهجاء.
مع
تدفق مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى أوروبا، انقسم السوريون بين مداحين
وهجّائين، وباتت صورة ميركل تحل محل صورة الأسد أمام العلم الألماني، وتحتها كلمة:
“منحبك”، وكانت قد ظهرت الصورة نفسها سابقاً لأرضوغان، وتحتها
“منحبك”، ومن هنا جاء اصطلاح “منحبكجية” في السياسة
السورية…
بعد
فترة قصيرة سيصطدم كثير من السوريين بواقع غير محسوب. لعل السوري لن يعاني كثيراً
من الأمان في ألمانيا، ولن يكون أمامه سوى بعض الاعتداءات العنصرية للنازيين
الجدد، وسيموت حرقاً أو ضرباً بضع مئات منهم، وسيعاقب الفاعلون بالتأكيد، ولن
تقارن هذه التصرفات بالبراميل التي تلقيها طائرات الموت على الأسواق والمدن، ولن
تقارن بعمليات الاعتداء التي يقوم بها أشقاء النازيين من اليساريين الأتراك،
وسيحظى السوريون أيضاً بشيء من الضمان الاجتماعي، ولن يخافوا كثيراً من البقاء دون
طعام أو شراب أو علاج، وسيحظى الموهوبون منهم بمكانة لا يمكن أن يحلموا بها في
وطنهم، ولكن قضية الاندماج لن تكون سهلة على كثيرين. لا أقصد بالاندماج كما يشيّع
مناهضو الهجرة من منحبكجية التطرف الديني، ولكننا بالنتيجة شعب محافظ، ولا أحد منا
ينسى أننا لم نكن نندمج حتى في المجتمع السوري الذي ننتقل إليه، فكنا ننقل معنا
إلى دمشق مثلاً عاداتنا وتقاليدنا، وطريقة عيشنا، ولباسنا الشعبي وكل ما لدينا،
فكيف سيتكيف هؤلاء مع المجتمع الألماني؟
خففوا
قليلاً من المدائحيات. اشكروا حكومة ميركل على التسهيلات، وتقديم العون للاجئين
السوريين، ولكن يجب الحذر من الإفراط، لأن الإفراط في المديح سيعقبه إفراط في
الذم، ولنا في حالة اللجوء إلى تركيا مثلاً نعيشه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث