الرئيسية / رأي / عن هجرة لا تنتهي

عن هجرة لا تنتهي

ثائر الزعزوع

تقدر المنظمات الدولية عدد السوريين الذين غادروا سوريا منذ منتصف العام
2011 وحتى اليوم، بأربعة ملايين ونصف، يعيش معظمهم في مخيمات اللاجئين في كل من
لبنان والأردن وتركيا، بينما توزع عدد كبير منهم على بلدان أبعد مثل مصر، وربما
المغرب والجزائر وإن بأعداد أقل. وقد استقبلت دول الاتحاد الأوروبي قرابة ربع
مليون لاجئ سوري، سواء بطريقة نظامية عبر سفاراتها التي منحت تأشيرات لراغبي
اللجوء، أم بطرق غير نظامية عبر طرقات الهجرة غير الشرعية بحراً وبراً، فعبر
الآلاف منهم البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى ضفته الأخرى حيث ترتسم أمامهم حياة
جديدة، وسار آلاف آخرون على أقدامهم آلاف الكيلومترات واجتازوا حدوداً كثيرة قبل
أن يستقر بهم المقام في واحدة من الدول التي تمنح حق اللجوء، ويستطيع من خلالها
اللاجئ أن يستعيد شيئاً من إنسانيته التي أنسته إياها سنوات الصراع الطويلة
القاتلة. معظم هؤلاء اللاجئين فقد وبشكل مؤقت أية صلة له بالأرض الأم، إذ أن عوائل
بأكملها اختارت طريق الهجرة واللجوء لقناعتها بأن لا حل في الأفق للمأساة التي
تزداد حدتها كل يوم، أضف إلى ذلك أن ثمة روابط من نوع ما بدأت تنشأ بين هؤلاء الوافدين
الكثر والدول التي استقبلتهم، ليس أقلها انخراط أبنائهم في المدارس والبحث حقاً عن
حياة مختلفة، وقد بدأوا فعلياً رحلة الاندماج مع هذه العوالم الجديدة، ويحاولون
شيئاً فشيئاً ترويض أنفسهم على طول الإقامة، لا على الإقامة المؤقتة كما كان يخيل لأوائل
الذين وصلوا إلى أوروبا، والذين لم يكلفوا أنفسهم عناء تعلم لغات البلدان التي
يقيمون فيها على اعتبار أن عودتهم لن تطول.

وإن كان حق اللجوء تضمنه كافة المواثيق الدولية لأولئك الذين يخشون
التهديد على حياتهم بسبب آرائهم أو معتقداتهم أو بسبب نشوء حروب لا ناقة لهم فيها
ولا جمل، فإنه لم يكن متوقعاً، حتى بالنسبة لبعض الدول الأوروبية المتورطة بشكل أو
بآخر بإطالة أمد الصراع في سوريا، أن تصل أرقام طالبي اللجوء هذا العدد الاستثنائي
الذي قد يشكل عبئاً اقتصادياً مضاعفاً على اقتصاديات مرهقة أصلاً بفعل الأزمات
المالية التي تتوالي، وإن كانت بعض دول أوروبا قد استبشرت خيراً، وهو أمر لم يخفه
وزير ألماني بهؤلاء الوافدين الذين بعثوا الحياة في القارة العجوز التي توقف
مواطنوها عن الإنجاب. وقد حذرت دراسات دولية مختصة بأن مستقبل أوروبا على المحك
بسبب نقص العامل البشري فيها، إلا أن ذلك لم يمنعها من الاستنفار أمام هذا التدفق
غير المسبوق في مواجهة واحدة من الهجرات الكبرى في العصر الحديث، فقد تجاوزت أعداد
اللاجئين السوريين أعداد نظرائهم العراقيين والأفغان، علماً أن العراق وأفغانستان
يعيشان ظروفاً مأسوية منذ عقود ولا يقتصر الأمر على سنوات خمس فقط، كما في الحالة
السورية، إلا أن الخلل الذي أصاب المنطقة برمتها جعل من غير المحتمل الاستمرار في
بلدان مؤقتة قد تضربها هزات وقلاقل مشابهة كتلك التي أصابت سوريا، فالمنطقة
العربية ليست مستقرة ولا يمكن التنبؤ بمستقبلها، ولعل ما يحدث في لبنان حالياً
مؤشر إضافي على ذلك.

يضاف إلى أولئك الملايين الذين غادروا والذين استقر الكثيرون منهم في دول
خارجية، سبعة ملايين آخرون نزحوا داخلياً، في هربين: الأول بعد أن تسببت قوات
النظام بتدمير مدنهم وقراهم، فلم يجدوا بداً من الارتحال إلى مناطق أكثر أمناً،
حتى وإن كانت خاضعة لسيطرة النظام، والهرب الثاني هو الذي ابتدأ منذ أن وضع تنظيم
داعش قدمه داخل الأرض السورية. وقد أسفر هذا العبث الديمغرافي عن نشوء مجتمعات
جديدة داخل المجتمعات في عملية قد تبدو مؤقتة إلا أن استمرار الوضع قد يؤدي إلى
استقرار نهائي، وقطيعة مع المدن التي جاء منها أولئك النازحون.

ومع عبثية هذه الصورة ولا معقوليتها إلا أنها واقعية بشكل غريب؛ فسوريا
التي تغيرت جغرافياً وتاريخياً تغيرت سكانياً بشكل كبير، وثمة أجيال متلاحقة سوف
تتعامل مع مفردة الوطن السوري وكأنه واحدة من حكايات الجدات التي يمكن أن يستمعوا
إليها قبل النوم.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *