عبد
القادر عبد اللي
لم
يكن صدام جبهة النصرة مع بعض فصائل الجيش الحر -التركمانية أو ذات الغالبية
التركمانية على وجه الخصوص- في المنطقة التي تسعى تركيا لجعلها “آمنة”،
أو بحسب التسمية الأمريكية “مطهرة من داعش”، مفاجئاً للمراقبين. ولعل
هذا ما سرّع بلملمة الموضوع، ونُزع فتيل الأزمة حالياً بتسليم النصرة المواقع التي
سيطرت عليها لتلك الفصائل، كما أعلنت تلك الفصائل عدم مقاتلتها النصرة. ولكن هل
انتهى الموضوع؟
لم
يعد يخفى على أحد أن التحالفات بين فصائل المعارضة المسلحة على الأرض هي تكتيكية،
كل طرف يحاول من خلالها البروز، وتذويب الفصائل الصغيرة بهدف توسيع النفوذ. وإذا
كانت هذه الفصائل قد حققت نجاحات كبرى على النظام، فإن الغرور أحياناً يدفع بعضها
إلى ارتكاب الأخطاء، ولكنها أخطاء مقبولة لو بقيت في إطار الأخطاء فقط.
تركيا
هي المصدر الرئيس للدعم الوارد إلى المعارضة المسلحة في الشمال، فما الذي دفع بعض
هذه الفصائل لمقاتلة فصائل دربتها وسلحتها تركيا بذريعة أن الولايات المتحدة هي
التي دربتها؟ إذا كانت قلة الخبرة السياسية هي وراء هذا الأمر، فيمكن للقوى
الراعية أن تضع يدها، وتلملم الأمر، ولكن ماذا لو كانت ناجمة عن اختراقات أمنية
دولية؟ في هذه الحالة هناك نار تحت الرماد، وسيأتي يوم تتأجج فيه ثانية. وتستمر
دوامة العنف إلى ما لا نهاية. فمن صاحب المصلحة بهذا الأمر؟
سربت
الصحف التركية تصريحات لمسؤول من إحدى دول التحالف ضد داعش، بأن الاستعدادات لدخول
الحرب الشاملة ضد داعش انطلاقاً من الأراضي التركية على وشك أن تنتهي، وستبدأ هذه
العمليات في القريب العاجل. وأكد على أن بضع الطلعات الجوية التي نفذت خلال
الأسبوع الماضي -على الرغم من فاعليتها الكبرى- ليست هي الحرب المزمع شنها، بل
المقدمة فقط.
المناطق
الآمنة مغرية للبعض أكثر من غيرها لأن طيران النظام لن يطالها، وكثير من المدنيين
المشردين في البراري يريدون مأوى بعيداً عن القتل أولاً، ومدرسة يعلمون بها
أولادهم علماً ينفعهم في دنياهم ثانياً. ولكنها ليست مغرية لبعض الفصائل التي
تحاول إحياء نظام غير قادر على الحياة مهما كانت نوايا القائمين عليه طيبة.
فطائرات النظام عندما تقصف، تكون الخسائر على الأغلب في صفوف المدنيين وممتلكاتهم،
وخسائر القوى المسلحة بالأرواح في القصف العشوائي على المدن لا تساوي واحداً من المئة
من خسائر المدنيين. بمعنى آخر، إن المدنيين هم المتضررون على الأغلب، وهم أصحاب المصلحة
الأولى بالمناطق الآمنة، فما الذي يغري بعض الفصائل المسلحة بالدخول للسيطرة على
تلك المناطق خارج التفاهمات الدولية؟
من له
مصلحة بتعطيل منطقة آمنة بعيدة عن داعش والنظام، ويحظر على قوات الحماية الشعبية
المرور منها؟ عندما نضع المصالح في الميزان نجد أن النظام السوري وراعيه الإيراني
على رأس أصحاب المصالح بالتعطيل، ثم تأتي بالطبع داعش التي تعتبر الهدف الأول من
إقامة هذه المنطقة. ووفق هذه الحسابات، أليس تعطيلها خدمة لتلك الأطراف؟
نعم،
هناك قوى تعرف أن مشروعها السياسي لا يمكن أن يعيش، ولا يمكنها الاستمرار دون حالة
الفوضى التي تفرض تأجيل المشاريع السياسية غير الموجودة أصلاً. والغريب أن هذه
القوى هي الأعلى صوتاً باتهام الآخرين بالفشل السياسي، وهم –أي الآخرون- فعلاً
فاشلون سياسياً، ولكن بندقيتها الآن تبعد عن نفسها النقد، فهل ستتمكن من إبعاد هذا
النقد إلى ما لانهاية؟
هناك
حركة دولية كبرى، فالنشاط السياسي والمخابراتي على أشده، ولعل هذه المرحلة من أكثر
المراحل نشاطاً سياسياً واستخبارياً. وإذا كانت تركيا تبدو ساكنة بالنسبة إلى
الملف السوري بسبب الحالة السياسية الداخلية، وتزايد احتمالات انتخابات الإعادة أو
حكومة أقلية تقود البلد إلى انتخابات مبكرة، فهذا لا يعني أن مخابراتها طوت
الموضوع، وابتعدت. صحيح أن النظام في أضعف أيامه، ولكن هذا لا يعني أنه انتهى، ففي
كل لحظة يمكن أن يُعاد إلى الساحة، وبقدر ما قرار مجلس الأمن حول تحديد المسؤولية
باستخدام السلاح الكيماوي اليوم، وبشكل مفاجئ، يبدو ضد النظام، فهو يمكن أن يخدمه
لو اتهمت جهة من المعارضة باستخدامه، وهكذا يمكن إعادته من جديد، ونعود إلى حيث
كنا…
المحاولات
العبثية بتعطيل المناطق الآمنة هي أشبه بمقاتلة طواحين الهواء، وسيدفع الناس
العاديون ثمناً باهظاً لها، وليس أمام الفصائل التي لعبت هذه اللعبة إلا أن تراجع
نفسها، وتعيد النظر بسياستها بعيداً عن المراهقة السياسية والفكرية، فالتضحيات
الكبرى التي تقدمها يمكن أن تذهب هباء نتيجة أخطاء صغيرة، فكيف لو كانت هذه
الأخطاء قاتلة؟ لا بد من الاستعداد، والاستعداد يبدأ بالمراجعات الذاتية فقط،
وبعيداً عن اتهام الآخرين، فخطأ الآخرين لا يبرر لأحد الخطأ، مثلما أن إجرام
النظام لا يعطي الحق لمن يقاتله بارتكاب فظائع شبيهة…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث