أحمد العربي
نشرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية
مقالة للكاتب “رشاد القطان”، حول سبب عدم انهيار البنوك والمصارف السورية، رغم
الحرب الدائرة والعقوبات المفروضة على النظام السوري.
وأكد الكاتب ضمن مقالته بأن القطاع
المصرفي السوري استطاع النجاة من العاصفة التي تمر بها سوريا، خلافاً لتوقعات
الغرب، من خلال أبحاثه والإفصاحات التي تقوم بها البنوك المدرجة على قائمة سوق
دمشق للأوراق المالية. هذا القرار الصعب الذي اتخذته هذه البنوك، حيث أنها تكافح
الانكماش الاقتصادي والعقوبات الدولية وغياب الاستثمارات العامة والخاصة، ورغم ذلك
فإن أياً من تلك البنوك لم تعلن إيقاف عملها أو إغلاقها.
فلندقق في حقيقة الإفصاحات
والتقارير المالية التي تنشرها المصارف الخاصة في سورية لنعرف لماذا لم تفلس:
عند دراسة أثر الأزمة الاقتصادية
الحالية على بنود قائمة الدخل، فإننا سوف نركز على بندين رئيسين هما: الأرباح
الناتجة عن تقييم مركز القطع البنيوي، وهو بند من بنود مجموعة الإيرادات، والبند
الثاني مخصص خسائر تدني التسهيلات الائتمانية المباشرة، وهو بند من بنود مجموعة
النفقات.
ومن المؤكد أنّ تغير سعر الصرف
الرسمي للدولار سوف يؤثر وبشكل مباشر على قيمة مركز القطع البنيوي لدى هذه
المصارف، ففي حال ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية سوف تحقق هذه
المصارف أرباحاً في قيم مراكز القطع البنيوية ناتجة عن ارتفاع سعر الصرف، وبعكس
ذلك وفي حال انخفض سعر الصرف، سوف تحقق المصارف خسائر عند إعادة تقييم مراكز القطع
البنيوي.
ومن الطبيعي أن ينعكس الارتفاع
الكبير الحاصل في سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية خلال العام 2013
على بند تقييم مركز القطع البنيوي لدى المصارف، مسجلاً أرباحاً بقيم كبيرة جداً.
من الطبيعي أن ينعكس الارتفاع الكبير
الحاصل في سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية خلال العام 2013 على بند
تقييم مركز القطع البنيوي لدى المصارف، مسجلاً أرباحاً بقيم كبيرة جداً
فقد سجل سعر صرف الدولار
الأميركي مقابل الليرة السورية في نهاية الربع الثالث من العام 2013 ما قيمته
136.4 ل.س، بعد أن كان بقيمة 77.27- 55.89- 46.98 في نهاية كل من الأعوام
2012-2011-2010 على الترتيب.
فكما تبين لنا فإنّ الارتفاع
الذي سجله سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، ولا سيما في العام 2013، قد ساهم
في تحقيق المصارف لأرباح غير محققة تتمثل في أرباح إعادة تقييم مركز القطع البنيوي.
ومن الطبيعي أن هذه الأرباح تبقى وهمية وغير محققة وغير قابلة للتوزيع على
المساهمين، وقد ألزم مصرف سورية المركزي المصارف بأن تفصل بين الأرباح المحققة
وبين الأرباح غير المحققة لهدف غايات الإفصاح وعدم تضليل قارئ البيانات المالية.
والشكل البياني التالي يوضح
الزيادة الكبيرة المسجلة في قيمة أرباح إعادة تقييم مركز القطع البنيوي خلال
الفترات المدروسة:
الزيادة المسجلة في قيمة أرباح إعادة تقييم مركز القطع البنيوي.
ومن الشكل البياني السابق يتضح لنا بأنّ المصارف الخاصة التقليدية
قد سجلت حجم إيراد كبير جداً ناجم عن إعادة تقييم مراكز القطع البنيوية، الأمر
الذي ساهم في ارتفاع كبير في قيمة إجمالي الدخل التشغيلي لديها، حيث سجل إجمالي
الدخل التشغيلي لدى المصارف الخاصة التقليدية القيم التالية خلال الفترة المدروسة:
إجمالي الدخل التشغيلي لدى المصارف الخاصة التقليدية
ومن وجهة نظر أخرى، وبالدخول إلى بنود النفقات في قائمة الدخل، نجد
أنّ الأزمة الاقتصادية الحالية قد ساهمت في تضخيم قيمة بند مخصص خسائر تدني
التسهيلات الائتمانية المباشرة، وبشكل كبير.
فتوقفُ عددٍ كبير من عملاء المصارف عن سداد التزاماته وتعثر عدد
آخر من العملاء وتراجع أعمالهم، ساهم وبشكل كبير في زيادة مخاطر عدم السداد
لالتزاماتهم، الأمر الذي جعل المصارف تعمل على تطبيق تشريعات مصرف سورية المركزي
الخاصة بحالات تصنيف الديون واقتطاع مؤونات أو مخصصات لمواجهة حالات التعثر وعدم
السداد.
وبالتالي فقد قامت المصارف باقتطاع مؤونات لمواجهة هذه الحالات،
كما تقتضيه تعليمات مصرف سورية المركزي. والشكل البياني التالي يقارن حجم المخصصات
المقتطعة لمواجهة التدني في قيمة التسهيلات الائتمانية المباشرة خلال الفترة
المدروسة.
حجم المخصصات المتقطعة لمواجهة التدني في قيمة التسهيلات
الائتمانية المباشرة
من الشكل البياني السابق يتضح لنا الزيادة الكبيرة في حجم المخصصات
المقتطعة من قبل المصارف لمواجهة التسهيلات الائتمانية المباشرة.
ولتكون الصورة أوضح، نستعرض حجم صافي التسهيلات الائتمانية
المباشرة خلال الفترة المدروسة، فقد سجلت القيم التالية:
صافي التسهيلات الائتمانية المباشرة
والجدول السابق يوضح تراجع قيمة صافي التسهيلات الائتمانية
المباشرة خلال الفترة المدروسة وبشكل كبير. ويعود ذلك لأسباب ثلاثة: إحجام المصارف
عن منح تسهيلات ائتمانية مباشرة جديدة خلال الأزمة الحالية، بالإضافة إلى تراجع
قدرة بعض العملاء على السداد، وتشكيل مخصصات لمواجهة هذه الديون، حيث يتم طرح قيم
هذه المخصصات من قيمة إجمالي التسهيلات للوصول إلى قيمة صافي التسهيلات، بالإضافة
إلى قيام عدد من العملاء بسداد ما عليهم من أقساط تجاه المصارف، الأمر الذي يساهم
في تخفيض أرصدتهم المسحوبة من هذه المصارف.
ومن المعتاد أن تكون قيمة المخصصات المقتطعة لمواجهة التدني في
قيمة التسهيلات الائتمانية المباشرة أقل من قيمة الانخفاض الحاصل في صافي
التسهيلات الائتمانية، إلا أنّه وبالعودة إلى الأرقام السابقة، نلاحظ بأنّ قيمة
المخصصات المقتطعة في العام 2013 قد تجاوزت قيمة التراجع في صافي التسهيلات
الائتمانية المباشرة، وهذا يعود لأسباب عديدة نذكر منها قيام المصارف بإعادة تقييم
مخاطرة قرض ما بدرجة منخفضة أكثر واقتطاع مؤونات إضافية خلال العام 2013، في حين
أنّ قيمة القرض تبقى ثابتة كما هي، وبالتالي تصبح قيمة المؤونات مرتفعة مقارنةً مع
قيمة الديون، أو أن تنخفض قيمة الضمانات المقدمة مقابل تسهيل ائتماني مباشر نتيجة امتلاك
هذه الضمانة مثلاً، فهنا يقوم البنك باقتطاع مخصصات لمواجهة هذا الانخفاض في قيمة
الضمانة. يضاف إلى ما ذكرنا من أسباب قيام بعض العملاء بالاستفادة من أرصدة
التسهيلات الائتمانية المباشرة غير المستغلة، فكما هو معروف فإنّ بند صافي
التسهيلات الائتمانية المباشرة يعكس الأرصدة الفعلية التي تم سحبها من قبل العملاء،
في حين أنّ ما تبقى من قيم لتسهيلات غير مستغلة تظهر في حسابات خارج الميزانية، وبالتالي
فإنّ قيام بعض العملاء باستجرار ما تبقى لهم من تسهيلات ائتمانية مباشرة غير مباشرة
سوف تساهم في رفع قيمة بند صافي التسهيلات الائتمانية المباشرة الظاهر في صلب
الميزانية، مما يجعل أيضاً قيمة المخصصات أكبر من قيمة الانخفاض في صافي
التسهيلات، إلى جانب سبب رئيسي ظهر عند بعض المصارف، ويتلخص في ارتفاع حجم صافي
التسهيلات الائتمانية خلال العام 2013 نتيجة إعادة تقييم بعض التسهيلات المقدمة
مسبقاً بالقطع الأجنبي، فإنّ البرامج المحاسبية المعتمدة لدى البنوك تقوم وبشكل
تلقائي، بإعادة تقييم هذه التسهيلات حسب سعر الصرف المعلن وبشكل يومي.
وكما يتضح فإنّ ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي وما تبقى من عملات
أجنبية مقابل الليرة السورية، ساهم وبشكل غير مباشر في ارتفاع حجم التسهيلات
الائتمانية المباشرة المقدمة من بعض المصارف، من دون أن تقوم هذه المصارف بتقديم
أية تسهيلات جديدة، وكان من واجب معدي التقارير المالية أن يلفتوا أنظار القراء
إلى هذه الناحية، لكيلا تتصف بياناتهم بالتضليل وعدم العدالة في العرض.
ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية ساهم وبشكل غير مباشر
في ارتفاع حجم التسهيلات الائتمانية المباشرة المقدمة من بعض المصارف
بعد ما استعرضناه، نستنتج أن
المصارف الحكومية تستمر في عملها في سوريا من خلال تسيير المعاملات المالية
الحكومية والإيداعات الحكومية، أما ما تنشره المصارف الخاصة من بيانات مالية فهي
غير واقعية ومضللة. ناهيك عن كونها لم تخرج عن دورها الذي أنشئت من أجله في سوريا،
وهو غسيل أموال مسؤولي النظام، خصوصاً بعد خروج الجيش السوري من لبنان، حيث سحبت
مليارات لرموز النظام من المصارف اللبنانية التي لم تعد آمنة بالنسبة لهم، فهي منذ
تأسيسها لم تستطع أن تنافس المصارف الحكومية السورية المتخلفة أصلاً، لأنها لم
تفتتح لتعمل بالنشاط المصرفي المعتاد وإنما لتكون خزنة آمنة لرموز النظام ومغاسل
لأموال الفساد القذرة، فالقطاع المصرفي في سورية ركن أساسي من أركان النظام، لا
يختلف عن الجيش أو الأجهزة الأمنية، وسقوطه مرتبط بسقوط هذا النظام وليس بالعقوبات.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث