الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / نحو حكم بغيض

نحو حكم بغيض

رعد اللاذقاني

عندما تتصفح
كتاب “الأمير” لـ “نيكولا ميكيافللي”، تشعر لوهلةٍ أن الرئيس
السوري حافظ الأسد قد قرأه بعمق مستخلصاً أنموذجه الخاص في حكم ٣٠ عاماً كاملة،
سجلت نهايتها مع عام ٢٠٠٠. ولكن وهلةً أخرى تحمل حقيقة أشمل وأوسع، تتمثل في أن الكتاب
إياه، قد غدا مرجعاً محكماً وأنموذجاً مبسطاً لكثير من قادة العالم ذوي السمعة
السيئة، لما يحمله من إرشادات عامة ونصائح هامة، أثبت التاريخ نجاعتها في استحكام
السلطة وترسيخ الاستبداد.

وكما هو حال
الأطروحات النظرية؛ غدت التجارب العملية لبعض الأنظمة السياسية عبر العصور محطاتٍ
مهمة يمكن الرجوع إليها في استلهام ممارسات القوة وصناعة الخطاب السياسي ونسج
التحالفات وبناء الأطر الدستورية والقانونية والنقابية الحاكمة وفرضها، علاوةً على
استيراد الشعارات والمفاهيم والمصطلحات. ويعدّ الاتحاد السوفييتي أحد أبرز هذه التجارب.

سيكون
نظام بشار الأسد أنموذجاً بغيضاً تحتذي به أنظمة استبدادية قائمة أو تستعد للنهوض

وفي عالمنا
العربي، يمكن القول بأن نظام بشار الأسد سيكون أنموذجاً بغيضاً تحتذي به أنظمة
استبدادية قائمة أو تستعد للنهوض، ذلك أنه يحمل عوامل مقاومة للتغيير، ومقومات مهيئة
لإعادة التشكّل، وتكتيكات واستراتيجيات مناورة فريدة من نوعها، مكّنته من أن يتفوق
على نظام الحكم العسكري في الجزائر خلال سنوات “العشرية السوداء” (١٩٩٢-٢٠٠٢).

مجموعة استراتيجيات
يقوم عليها نموذج نظام الأسد:

1- اضرب بعنف غير مسبوق: هذا الخيار الأول الذي يستخدمه كل
نظام مستبد عند صعود أبسط تمرّد أو ثورة. ولكنه في حالة “الأسد”، سيكون
غير مألوف بالمرّة، فقد وصل به الأمر لاستخدام السلاح الكيماوي في آب/أغسطس ٢٠١٣،
وكذلك الأسلحة المحرمة دولياً كالبراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية. ويساهم
العنف في إضعاف المعارضة الداخلية وتخويف حواضنها الاجتماعية، كما أنه يدفع برأس
المال لرفع سقف المساهمة المالية والدعائية مع السلطة.

أي محاولة لإنشاء بنى تحتية، إدارية أو تعليمية أو
خدمية، داخل المناطق المحررة في سوريا، انتهت بتدمير مقصود وممنهج

2-تمسك بتمثيل
الدولة وحارب البدائل الممكنة:
هذا الخيار لن يبدأ بإخراج قيد عائلي، ولن ينتهي بإصدار جوازات
سفر. إنه احتكار كل تعبير عن المواطنة، وتجريد للمعارضين من أي حق فيها. ولا يقتصر
الأمر على الحرمان فحسب، بل وينسحب على منع أي جهة معارضة من القيام بدور البديل
القانوني. وهنا يمكن التأكد من أن أي محاولة لإنشاء بنى تحتية، إدارية أو تعليمية
أو خدمية، داخل المناطق المحررة في سوريا، انتهت بتدمير مقصود وممنهج.

3-عَمْلق التطرف واجعله في خانة المواجهة (على النموذج الجزائري): في
رحلة قصيرة إلى أرشيف الثورة السورية، سنتعرف على حقيقتين: الأولى تقول بأن
العناصر المتطرفة ليست بالحجم الذي يروّج إعلامياً، وبأنها لم تكن لتوسع انتشارها
لولا عنف النظام واستمراره، والثانية تتمثل في أن مقرات ومواقع وأماكن انتشار هذه
التنظيمات كانت آخر الأماكن التي يفكر النظام باستهدافها.

4-سيطر على
وسائل الإعلام، تمسك بروايتك، ولا تأل جهداً في الكذب
: لا يكاد يتوقف النظام عن حياكة
الأكاذيب، وما يميزه أنه يتمسك بها ولا يتنازل عنها أبداً. وهذا أسلوب يستند إلى
طبيعة الذاكرة القصيرة لدى الشعوب. إن ما كان النظام يقوله -كاذباً- عن الإرهاب
والمؤامرة قبل أعوام، أصبح محط تفهم وقبول لدى الكثيرين.

5-ادعم
المشاريع الهشة التي تهدد مصالح الخصوم
: انظر خريطة سوريا؛ في الشمال الغربي تتقاطع المصالح
بين النظام السوري وحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي
PYD(الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني). إن PYD يملك
مطاراً دولياً ومعابر حدودية يديرهم النظام السوري شكلاً، وفي ذات الوقت يشكل هذا
الحزب تهديداً لتركيا التي تتبنى ثورة السوريين وتدعم صمودهم. هذه المعادلة قد
تنسحب على أماكن وبيئات مختلفة أيضاً، كما أنها ليست جديدة، بل كانت متبعة من قبل
نظام حافظ الأسد منذ ١٩٨٤ وحتى توقيع اتفاقية أضنة مع تركيا سنة ١٩٩٨.

إن نظام الأسد هو رأس الحربة
الأقدم تاريخياً في المحور الإيراني، وخسارته بالنسبة لإيران تعني قطع الطريق على
مشروعها التوسعي.

6-تصدّر ساحة
المواجهة في تحالف أيديولوجي
: يلعب النظام دوراً هاماً في المحور الإيراني الذي يمتد من
طهران عبر بغداد إلى دمشق ثم بيروت وصولاً إلى صنعاء. إنه رأس الحربة الأقدم
تاريخياً في هذا المحور، وخسارته بالنسبة لإيران (الدولة الدينية ذات المطامع
الاستعمارية) تعني قطع الطريق على مشروعها التوسعي.

7-قم بما يلزم
للحفاظ على الاستقرار الأمني في المناطق الهامة
: مراكز المحافظات، والقرى والبلدات
الموالية، والمواقع والتحصينات العسكرية الكبرى والمطارات. هذه الأماكن حيوية وذات
أهمية كبيرة، والسيطرة عليها تؤكد السيطرة الحكومية على البلاد. وتدخل المناطق
النفطية في اعتبارات الأهمية لدى النظام السوري ولكنه لا يمتلك القدرات للحفاظ
عليها، كما أن وقوعها في مناطق سيطرة تنظيم الدولة أمر مفيد له ويغذي استراتيجية
عملقة التطرف.

8-ادعم مؤسسات
مجتمع مدني بعناوين مختلفة وسوق لنفسك خارجياً
: مدفوعات النظام لشركات العلاقات
العامة كبيرة جداً في أمريكا وأوروبا، بهدف التسويق لنفسه وكسب تأييد وتعاطف الراي
العام العالمي معه. كما أنه يساهم في إنتاج أشكال مختلفة من مؤسسات المجتمع
المدني، التي تدعمه بصور خفية أو معلنة.

لا شكّ أن
نظام الأسد سيغدو نموذجاً بغيضاً للحكم، وها هو نظام السيسي يبدأ بالإسقاطات
المتلاحقة على الشعب المصري. وإذا كان شكسبير قد قال في إحدى مسرحياته “ماذا؟؟
هل أنا مخادع .. هل أنا ميكيافيلي؟”، فإن لسان حال رئيس مصر، عبد الفتاح
السيسي، يقول: “ماذا؟… ألست بديكتاتور؟… ألست مثل بشار الأسد؟”.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *