د.بشار أحمد
دار الكثير من الحديث في الآونة الأخيرة عن
خطط نظام الأسد في إقامة دويلة علويّة في الساحل السوري تكون ملاذاً له ولميليشياته
في حال سقوط العاصمة السياسية دمشق بيد الثوار.
فبعد خسائر النظام الأخيرة والمتكررة، والتي
فقد خلالها مساحات واسعة من الجغرافية السورية، وبعد أن أيقن النظام بعدم قدرته
على إعادة السيطرة على مجمل التراب السوري، بدأ يلوّح بشكلٍ صريح بخطته البديلة
لإقامة دويلته العلوية في الساحل السوري، آخذاً بعين الاعتبار النصائح الإسرائيلية
التي قدمت له قبل مدّة، والتي طالبته بالانسحاب من دمشق إلى منطقة الجيب الساحلي، في
محاولة منها لدعم فكرة إعادة رسم خرائط “الشرق الأوسط” على أسس عرقية
ودينية، وبالشكل الذي يعطيها فرصة كبيرة لمنح وجودها ومطالبها نوعاً من الشرعية. الأمر
الذي أثار، وما زال يثير، الكثير من التساؤلات والتحليلات حول إمكانية قيام هذه الدويلة
ومآلاتها.
ستمتد الدويلة العلوية، وفق
مخططات الأسد، من حدود لواء اسكندرون في الشمال، حتى الحدود اللبنانية في الجنوب، على مساحة تبلغ حوالي 18.700 كيلومتر مربع
فهذه الدويلة التي بدأت تظهر معالمها بفعل
خطوط نار المعارك المشتعلة على الأرض، والتي رسمت بشكلٍ أو بآخر حدود هذه الدويلة،
تقع غربي سورية، وتتألف من محافظتي طرطوس واللاذقية، وبعض المناطق من محافظتي حماة
وحمص، كمناطق مصياف والسقيلبية ومحردة في حماة، ومناطق تلكلخ، والقصير والرستن
والمخرم وحمص المدينة في حمص. وهي بذلك ستمتد من حدود لواء اسكندرون في الشمال، حتى
الحدود اللبنانية في الجنوب، على مساحة تبلغ حوالي
18.700 كيلومتر مربع، منها مساحة محافظة اللاذقية 2297 كيلومترا مربعا، و1829 كيلومترا
مربعا هي مساحة محافظة طرطوس، أما الباقي فيمتد على بعض مناطق محافظتي حماة وحمص المنوي
ضمها إلى الدويلة العلوية.
بدأت التحضيرات لإنشاء هذه الدويلة في وقت
مبكّر من عمر الثورة السورية، حيث انطلقت التحضيرات بعمليات تهجير وإبادة ممنهجة
للعديد من سكان المناطق السنيّة في عدد من المحافظات السورية في
محاولة من النظام لإجراء تغييرات في الخريطة الديموغرافية والطائفية، وتهيئة
الأرضية لتقسيم سورية إذا ما اقتضى الأمر ذلك. كانت
محافظة حمص الشاهد الأوضح على عمليات التهجير والإبادة هذه، وخاصةّ في منطقتي
القصير والرستن، اللتان شهدتا مجازر تنم على حقد طائفي مقيت، ثم تكررت عمليات
التهجير هذه في العديد من مناطق الساحل السوري، وتحديداً في مدينة اللاذقية التي
شهدت عمليات هدم وتهجير لسكان المناطق الثائرة، كحيي قنينص والرمل. ترافق كل ذلك
مع أوامر بمنع دخول السوريين من غير أبناء الساحل إلى محافظتي
اللاذقية وطرطوس إلا من كان من مواليدهما، أو مالكاً لعقار أو مستأجرٍ فيهما، أو
عاملاً في إحدى مؤسساتهما. وتطورت هذه الأوامر إلى منع تجديد عقود إيجار المساكن
لغير أبناء الطائفة العلوية في مدن الساحل وقراه الخاضعة لسيطرته، ثم
امتدت التحضيرات لتشمل افتتاح مؤسسات ومكاتب طائفية بالعديد من مدن الساحل السوري،
حيث شهدت مدينة اللاذقية افتتاح مكاتب لحزب الله وحسينيات شيعية، بالإضافة إلى
افتتاح مكتب لوزارة الخارجية السورية في اللاذقية، وتوسعة مطار باسل الأسد الدولي
في محافظة اللاذقية ليصبح مطاراً دولياً.
قام النظام بنقل قسم كبير من
الذهب والقطع الأجنبي الموجود بالبنك المركزي إلى بنوك الساحل، ونقل الكثير من
الأسلحة الثقيلة والصواريخ، ووضع أهم طائراته
المقاتلة وأحدثها في مطارات عسكرية هناك
كما ترافق
كل ذلك مع تشريعات وقوانين سهّلت للتجار نقل مصانعهم من حلب إلى اللاذقية، وسمحت
لهم باستيراد جميع المواد الأولية عبر ميناء اللاذقية، ونقل السوق الحرة في درعا
إلى طرطوس، كما قام النظام بنقل قسم كبير من الذهب والقطع الأجنبي الموجود بالبنك
المركزي إلى بنوك الساحل، ونقل الكثير من الأسلحة الثقيلة والصواريخ، ووضع
أهم طائراته المقاتلة وأحدثها في مطارات عسكرية هناك. هذه الإجراءات، مع زرع فكرة
الخطر الذي يهدد وجود الطائفة العلوية، كلّها مؤشرات تدل علىأن أوان مشروع التقسيم قد حان، وأن مقدمات إنشاء دويلة علوية في الساحل السوري قد
ظهرت.
أمّا معوقات هذه الدويلة فكثيرة، أهمها
على الإطلاق حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي ستعاني منه هذه الدويلة بسبب
التركيبة السكانية الطائفية فيها. فعلى اعتبار أن عدد سكان هذه الدويلة سيكون
أربعة ملايين نسمة، في حال نزوح
العلويين من كل سورية إليها، فإن العلويون هذه الحالة سيشكلون نسبة 50 بالمئة من
سكان الدويلة، أما السنّة فسيشكلون 38 بالمئة من نسبة السكان، في حين سيشكل الاسماعيليون
نسبة 7 بالمئة، والمسيحيون نسبة 5 بالمئة.
وبالتالي فإن الوجود السني والمسيحي والاسماعيلي
الكبير في هذه الدويلة سيعرقل مساعي تحقيق الاستقرار السياسي والأمني فيها، وخاصةً
في حال التواصل السني مع نظرائهم في المناطق السنية خارج هذه الدويلة، مما سيعزّز
واقع عدم الاستقرار السياسي والأمني من الداخل، ومن المحيط المجاور الذي سيكون
معادياً تماماً لهذه الدويلة، سواء من العمق السوري الذي انفصلت عنه، أو من المحيط
الإقليمي-التركي في الشمال، واللبناني في الجنوب.
ستكون الدويلة العلوية الخيار
الأخير الذي سيلجأ إليه الأسد، وسيحظى هذا الخيار بدعم إيراني كبير ومباركة
إسرائيلية واضحة وصريحة، وموافقة روسية علنية، وتقبّل أميركي وغربي ضمني.
ومن معوقات هذه الدويلة أيضاً عدم
امتلاكها مقوّمات الدولة الحقيقية من بنية تحتيّة وقدرات دفاعيّة، واعتراف دولي أو
إقليمي وعربي، وستكون بذلك معزولة إقليمياً وعالمياً. ومع ذلك، فإنّ
الدويلة العلوية ستكون الخيار الأخير الذي سيلجأ إليه الأسد، وسيحظى هذا الخيار بدعم
إيراني كبير ومباركة إسرائيلية واضحة وصريحة، وموافقة روسية علنية، وتقبّل أميركي
وغربي ضمني، في محاولة منهم لإعادة رسم خرائط “الشرق الأوسط” على أسس
طائفية وعرقية خدمةً لمصالحهم وأهدافهم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث