الرئيسية / تحقيقات / لم الشمل … معاناة تزيد معاناة اللاجئين في السويد

لم الشمل … معاناة تزيد معاناة اللاجئين في السويد

“قد
يعتقد البعض أن اللاجئين بمجرد وصولهم إلى السويد تنتهي معاناتهم وتفتح أبواب
الجنة في وجوههم، إلا أن رحلة الموت التي ينتهي منها اللاجئ بعد وصوله إلى السويد،
يبدأ معها موت آخر، كأن تقوم بعض العائلات بإحضار أبنائها بطرق غير شرعية كما وصلت
هي نفسها، تجنباً للبيروقراطية والتعقيدات الحاصلة في لمّ الشمل، وتزايد أعداد
اللاجئين السوريين في السويد”

ستوكهولم – روعة الخطيب

من
سوريا إلى اقصى شمال أوروبا، تدفق السوريون الهاربون من وطأة الحرب الطاحنة في
بلادهم، جواً وبحراً وحتى سيراً على الأقدام، ليصل منهم نحو سبعة وثلاثين ألفا إلى
السويد وحدها منذ عام 2011. كثيرون منهم ما زالوا عالقين في متاهات البيروقراطية
القاتلة في هذا البلد، بانتظار معاملات لم الشمل، علَّ لقاءهم بعائلاتهم مجدداً
يخفف عنهم قسوة ما عانوه.

“عبد الله. و”،
الحاصل على اللجوء السياسي في السويد كونه فلسطيني سوري، لم يخفِ صدمته بواقع
الحال الذي فوجئ به، بعد رحلة مريرة خاضها مع اثنين من أبنائه حتى وصلوا إلى
السويد.

يقول عبد الله لـ
“صدى الشام”: “لن أتحدث عن رحلة الموت والشقاء من سوريا إلى روسيا
إلى لبنان، ثم إلى ليبيا التي كانت فرصتنا الوحيدة للوصول إلى إيطاليا، ومنها عبرنا
أوروبا إلى السويد، ولن أتحدث عن تكاليف هذه المسيرة المريرة، التي ابتلعت حصيلة
تعب ثلاثين سنة من العمل في سوريا، كذلك لن اخوض في تفاصيل قاسية عانيناها في
الرحلة، خاصة من ليبيا إلى ايطاليا، ليس أقلها تبول المهاجرين من جنسيات مختلفة في
المركب فوقنا. ما يثير صدمتي، أننا اليوم في أرقى دول أوروبا وأكثرها تقدماً، في
السويد، ونفاجأ بكمِّ البيروقراطية التي تأكل هذا البلد وتنهشنا. اشتاق لرؤية
زوجتي وطفلي اللذين لم أراهما منذ عام وثلاثة أشهر، ولا أجد حلاً إلا الانتظار”.

ويضيف الرجل
الخمسيني: “تقدمت بطلب للم الشمل منذ نحو سبعة أشهر، وحتى الآن ما زلنا ننتظر
انتهاء المعاملة في السفارة السويدية في الأردن ودائرة الهجرة في السويد. وكلما حاولت
الاتصال بالسفارة كلما صدمت بالبيروقراط الذي يستشري في دوائر السويد الرسمية.
غالباً يضعونني على قائمة الانتظار على الهاتف، وينقطع الاتصال قبل أن يحين دوري.
مرتين فقط أجابوا على اتصالي، مرةً وعدوني بمتابعة ملفي للم الشمل، ومرة قال لي
الموظف في السفارة أنهم لم ينتبهوا إلى البريد الإلكتروني الذي أرسلته قبل أشهر وأرفقت
فيه الوثائق المطلوبة للم الشمل. وتحت ضغط ثورة غضبي، كوني سلمت الأوراق المطلوبة
كاملة، أبلغني الموظف أنه استطاع العثور على البريد الإلكتروني ووضع إشارة عليه،
ليكون بارزاً بوضوح، للموظف المعني بمتابعة طلبي للم الشمل”.

يبتسم عبد الله
ويقول: “قبل أيام معدودة حصلت على تحديد لموعد مقابلة زوجتي وابني في السفارة
السويدية في الأردن، في نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر. وسيكون علينا بعد ذلك،
انتظار قرار دائرة الهجرة. ولست أدري كم سيستغرق ذلك من وقت”.

وزارة
الخارجية السويدية زادت عدد العاملين في البعثات الدبلوماسية السويدية في المناطق
المجاورة لسوريا، في محاولة لتقليص فترات الانتظار، والإيفاء بمتطلبات العمل

معاناة عبد الله
وآخرين غيره، هي واقع لا تنكره دولة السويد، وهو ما دفع وزارة الخارجية لزيادة عدد
العاملين في البعثات الدبلوماسية السويدية في المناطق المجاورة لسوريا، في محاولة
لتقليص فترات الانتظار، والإيفاء بمتطلبات العمل التي باتت أكثر صعوبة مع ازدياد أعداد
السوريين الذين تقدموا بطلباتٍ للم الشمل إلى السويد.

“تجاوز ابني الثامنة عشرة”

وفيما تتجلى
معاناة بعض الأشخاص بالانتظار الطويل ومجاراة بيروقراطية المكاتب في السويد، يبدو
أن آخرين قد طال الانتظار أقسى ما تمنوا وأملوا.

“كمال. ك”،
وهو فلسطيني سوري حاصل على الإقامة الدائمة في السويد، يروي بمرارة قصته فيقول: “انتظرت
طويلا ريثما حصلت على الإقامة في السويد، وبعدها مباشرة تقدمت بطلب للم شمل عائلتي
في السفارة السويدية في مصر. استغرق صدور قرار لم الشمل نحو ثمانية أشهر، كان
خلالها ابني قد تجاوز السن القانوني للأبناء الذين يُسمح بلم شملهم ممن هم دون
الثامنة عشرة، بحسب القانون في السويد”.

ويمضي كمال في
حديثه، فيقول: “وصلت زوجتي وطفلتي إلى السويد، فيما تم رفض طلب لم شمل ابني،
رغم أنه كان دون الثامنة عشرة عندما تقدمت بالأوراق المطلوبة للم الشمل، وبات
يتوجب عليّ تعيين محام لمتابعة ملف ابني، علني أستطيع جلبه إلى هنا، رغم أنه ما من
قوانين واضحة في السويد فيما يخص حالة ابني”.

ما حدث مع كمال
كان نتيجة طبيعية للضغط الذي تعاني منه البعثات السويدية التي تستقبل طلبات جمع
الشمل للعوائل السورية أو السورية الفلسطينية، خاصة في عمان وبيروت واسطنبول، والذي
يرجح أن أشده هو ذلك الذي تعاني منه سفارة السويد في القاهرة، حيث تصل فترة انتظار
موعد المقابلة الأولى في السفارة أحياناً، إلى ما يزيد عن عام.

محاولة التأقلم والاندماج

بينما يروي معظم
اللاجئين حكايات معاناتهم وما يواجهون من مصاعب في السويد، ويتحدثون عن الكم
الهائل من التغيرات التي بات عليهم التأقلم معها وتفهمها، علهم يستطيعون الاندماج
سريعا في المجتمع السويدي، يفضّل “منصور. س” النظر إلى النصف الممتلئ من
الكأس، ويتحدث من واقع تجربته الشخصية، وعن الأمل الذي منحته له السويد بعد أن
ضاقت به سوريا وبلدان الشتات، فسعى للوصول إلى السويد أملا بحياة كريمة له
ولعائلته.

يتحدث منصور لـ
“صدى الشام” عما حدث معه قائلاً: “علمت أن السويد تملك بعض المرونة
في قوانينها الخاصة بلم الشمل، حيث يتيح القانون التقدم بطلبات للم الشمل خارج
الحالات التي ينص عليها القانون، فتتم دراستها وتقيمها بشكل منفصل. وبناء على ذلك
تقدمت بطلب للم شمل ابنتي البالغة من العمر 24 سنة، كونها ظلت وحيدة في سوريا بعد
وصول زوجتي إلى السويد”.

ويمضي منصور في
حديثه: “استغرق الأمر عدة أشهر، طُلب مني خلالها تقديم الإثباتات على أن
ابنتي ليست في مأمن في سوريا، وأنها تعيش وحيدة لا معيل لها ولا أقارب. تسلحت
بالصبر وقمت بجمع العديد من الأخبار والصور التي تثبت أن المنطقة التي تعيش فيها
ابنتي ليست آمنة، كما جمعت العديد من المقالات التي تتحدث عن صعوبة الحياة هناك، إضافة
لباقي الأوراق المطلوبة”.

يشير منصور: “قدمت
الأوراق والوثائق التي جمعتها وانتظرت القرار، ليكرمني الله بموافقة دائرة الهجرة
في السويد على لم شمل ابنتي، لقد كان هذا القرار أقصى ما تمنيته منذ قدومي إلى
السويد”.

كثيرون من
المتقدمين بطلبات للم الشمل لحالات استثنائية، ما زالوا ينتظرون قرار دائرة الهجرة
في السويد بشأن طلباتهم، لأن القانون السويدي يعالج هذه الطلبات بشكل منفصل، وتطلب
دائرة الهجرة وسفارات السويد عادة، العديد من الإثباتات بشأن الطلبات المتعلقة
بالأشخاص ذوي الأسباب الخاصة. وتستغرق دراسة هذه الطلبات وقتاً طويلا قد يتجاوز
السنة، كما في حالة ابنة منصور، أو في حالات طلب لم الشمل للمرضى، وحالات خاصة
غيرها يكفل القانون السويدي منحهم فيها الإقامة في السويد.

حلول خطرة

الدكتور “منير.
ع”، الذي واجه قرارين متتالين بالرفض للم شمل ولديه الاثنين، بسبب انتهاء مدة
صلاحية جوازي سفرهما، وعدم تمكنهما من تجديد الجوازين، يرى أن الطريقة الوحيدة
التي بقيت أمامه لجمع عائلته في كنفه، هي إحضار ولديه الاثنين تهريبا عبر البحر،
وبنفس الطريقة التي أوصلته إلى السويد.

يقول د. منير: “قدمت
طلبا للم شمل زوجتي وولديّ الاثنين، وقدمت كل الوثائق والأوراق المطلوبة، وجاء
قرار دائرة الهجرة بقبول طلب لم الشمل لزوجتي، ورفضه للم شمل ولديّ، وذلك لأن
جوازي سفريهما قد انتهت مدة صلاحيتهما. وصلت زوجتي إلى السويد وبقي ولديّ الاثنين في
تركيا بعهدة معارف لنا. حاولنا بشتى الطرق توضيح عدم امكانيتنا لتجديد جوازي
سفريهما لدائرة الهجرة في السويد، وتقدمنا باعتراض على القرار شارحين فيه ظرفنا خلال
هذه الفترة التي امتدت لعدة أشهر. عادت زوجتي إلى تركيا رافضة بشكل طبيعي ترك طفلينا
في تركيا وحدهما. ومنذ بضعة أيام، اتخذت دائرة الهجرة قرارا جديداً بالرفض”.

ويضيف: “لا
نستطيع أنا وزوجتي تقبّل القرار والعيش بدون طفلينا. ولا أستطيع أنا التخلي عن
العيش في السويد، خاصة بعد أن اجتزت مرحلة كبيرة في تعلم اللغة وحصلت على إذن
لمزاولة مهنتي كطبيب في السويد، وهذا ما يدفعني للتفكير في طريقة واحدة متبقية أمامي
للم شمل أسرتي، وهي إحضار ولديّ إلى السويد بالطرق غير الشرعية، تهريباً عبر البحر
من تركيا إلى اليونان فالسويد”.

لاجئ
سوري: تعقيدات لم الشمل تدفعني للتفكير في إحضار ولديّ إلى السويد بالطرق غير الشرعية،
تهريباً عبر البحر، من تركيا إلى اليونان فالسويد

يتطلب لم الشمل
في السويد للزوجة أو الزوج والأطفال تحت الثامنة عشرة من العمر، أن يصطحبوا معهم
جوازات سفر سارية المفعول، إضافة إلى الأوراق الأخرى المطلوبة، عندما يحين موعد
البصم والتصوير في السفارة. ولا تتساهل دائرة الهجرة في السويد بشأن سريان مفعول
جوازات السفر.

هذا وقد انتشرت
مؤخراً شائعات حول صدور قرار جديد بخصوص لمِّ الشمل، يُلزم من لديهم معاملات لجمع
الشمل بتوفر شرط الإعالة والسكن، قبل موافقة دائرة الهجرة على طلبات لمِّ شمل
عائلاتهم. لكن المكتب الصحفي لمصلحة الهجرة السويدية، نفى بشكل قاطع وجود مثل هكذا
قرار، مؤكداً أنه ما من قرارات عامة بهذا الشأن، وأن القرارات العامة يتم نشرها
بشكل رسمي.

وجاء توضيح مصلحة
الهجرة هذا، بعد انتشار نسخة مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، من قرار اتخذته
دائرة الهجرة في حالة خاصة بفرد واحد، تنطبق عليه ضرورة توفر شرط الإعالة والسكن
للم شمل أسرته. دون أن يكون القرار شاملا للأغلبية الذين لا ينطبق عليهم هذا
الشرط.

يشار إلى أن معظم
طلبات الإقامة ولم الشمل وما يتعلق بمعالجة قضايا اللاجئين الخاصة، في حالة شبه
جمود حاليا في السويد. حيث أن السويديين، وبعد أن احتفلوا بعيد منتصف الصيف في
أواخر حزيران/يونيو، قد أخذ معظمهم إجازات من العمل، تمتد إلى بداية أو منتصف آب/أغسطس،
يسافر خلالها معظمهم إلى خارج السويد، أو يقضون عطلتهم في المخيمات الصيفية، أو في
الأكواخ الريفية، أو السباحة في البحر.

فيما يُجبر اللاجئون
خلال هذه الفترة -كي لا يتم توقيف رواتبهم- على الاستمرار بتأدية نشاطاتهم
المعتادة، كتعلم اللغة السويدية في مدارس الـ
ISF ومدارس الـ kun
Skaps Companiet
، أو في مراكز الأنشطة كالـ Hermods. أو متابعة فترات التدريب على المهن والأعمال التي تتناسب مع مهاراتهم
وشهاداتهم العلمية التي يحملونها، مع مشرفين بدلاء عن الأساتذة المعتمدين الذين
يقضون إجازاتهم الصيفية.

ورغم كثرة التذمر
التي يبديها غالبية اللاجئين في السويد، بشأن بيروقراطية المكاتب التي ترهقهم كما
ترهق أبناء البلد أنفسهم، إلا أن القدوم إلى هذا البلد يعتبر فرصة ثمينة حصل عليها
من تم منحهم إقامات دائمة للبقاء فيها. وهذه الصعوبات التي يواجهونها، عادة ما
تزول مع الوقت، نتيجة اعتيادهم على نمط الحياة في السويد وتأقلمهم مع قوانين هذا
البلد، الذي يشكل نقلة نوعية عن حياة اعتادها السوريون في بلدهم الأم. لتبقى السويد
وألمانيا قبلة للاجئين السوريين، كونهما من أكثر الدول الأوروبية ترحيبا باللاجئين
السوريين، وأكثرها تسهيلا لإجراءات اللجوء ولم الشمل.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *